تصادف الرابع عشر من شهر تشرين الثاني الذكرى السادسة والثمانون لميلاد المغفور له جلالة الملك الحسـين بن طلال طيب الله ثراه، باني نهضة الأردن صاحب الكلمات التي صنعت مجد الوطن الذي اطلق عبارة الانسان اغلى ما نملك، فلنبن هذا البلد ولنخدم هذه الامة، كلمات لن ننسـاها فهي كالضوء المنير لدروبنـا وكالأوسـمة تزين صدورنـا..
ومن وحي هذه الذكرى ومدلولاتها السـامية تجدرُ الاشـارة إلى أن الحديث عن الحسـين لا يمكن له أن يكون حديثاً عابراً؛ ولم يكن حاكماً بصبغة تقليدية شـأنه في ذلك شـأن الهاشــميين، بل اسـتطاع وبرؤيته العميقة الممزوجة بالعبقرية في المنطقة والعالم، أن يضرب مثالاً فريداً لتقارب الشـعب مع حاكمه، والذي يتلفعُ بمناقب وصفات جعلته يمتلك القلوب لا الرقاب، فقد حقق عبر تاريخه الطويل في السياسة والحكم وكناتج منطقي لحنكته الفذة، جملة من الانجازات الوطنية التي كانت للعرب كلهم، شكلاً ومضموناً، كتعريب قيادة الجيش ليصبح جيشـاً عرب?اً دافع عن الأردن وفلسطين بذات الروح وذات الانتـماء، وامتدت جولات بطولته عبر مناطق عربية تدون حتى الساعة شـهامته وتـاريخه الناصع المضمخ بالكبريـاء والدم الزكـي.
نعم الحديثُ عن الحسـين يرتبطُ في الذهنية العربية المنصفـة بمحطات فخر ووفـاء وشـرف مروم، لا سـيما وهو وعبر عقود من الزمن صوتُ الأمة وزرقـاء يمامتها يقرأ لها الأحـداث بعبقريـة ونظـرة بعيـدة المدى ويدفعُ فاتـورة عروبـة الأردن دون تخـاذل أو تـردد؛ كيف لا والقارئ للأحـداث يسـتحضرُ صورته في جمع كلمـة العرب خدمـة لأحـلامهم وتطلعاتهم لمستقبل يستكمل مقومات الحيـاة الكريمة.
لقد كان الحسـين طيب الله ثراه حالة سـياسية اسـتثنائية إذ جعل العالم كله يؤمن بمكانـة الأردن وقدرته على ترسـيخ القيم الانسانية والتي تتوافق وقيمه وثوابته الراسـخة، وهو ذات النهج القويم الذي يواصله الملك المعزز جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المفدى حفظه الله ورعاه، حتى بات الأردن واحـة أمن واسـتقرار يلوذُ بها الخائف والمتطلعُ لحيـاة لا يـكدرُ صـفوها قتل أو تشـريد أو طمـس لإنسانيـة الانسـان، مهما كان معتـقده ومنبتـه وأصلـه.
تتجدد في قلوب الأردنيين ذكرى ميلاد الحسـين طيب الله ثراه، إذ يحيون بقلوبهم ووجدانهم ذكرى ميلاد ملك أحبـوه كما هو أحبـهم كقائد وملك وإنسـان وشـيخ عشـيرة واحـدة وباني نهضـة وطنهم الغالي.
وبكل فخر وشـموخ يسـتذكرون الحسـين طيب الله ثراه، قائد مسـيرة الخير والبنـاء والعطـاء الموصول لبلدهم، قضاها بعمل مخلص وجهد ورعاية شـؤون وطن أعز وأغلى، تـحدى كل الصعاب في محيطه تقلبت فيه أمواج المخاطر والتحديات في تحمل المسـؤولية مدة سـبعة وأربعين عاماً تمكن من خلالها أن يتجاوز بحكمتـه وحنكتـه كل المخـاطر والتحديـات ويتمكن من جعل الأردن يرتقي إلى مصاف الدول المتقدمة رغم شـح الإمكانيات ومحدوديتها تلك الرؤيـة الثاقبـة والحنكـة المشـهودة والشـجاعة النادرة التي تحلى بها وسـتبقى الأجيال الأردنية المتعاقبة تسـتذكر?مناقب الحسـين بكل فخر واعتزاز.
فالحسـين ليس كأي ملك عرفه التاريخ العربي المعاصر، بل قائد فوق كل هيبة وجلال القادة، وملك فوق اعتبار كل الملوك، ورجل فوق معاني الرجال وسـيدهم، وجلال هيبة ووقار وحنو وتواضع إنسـاني بأعلى مراتب النســب، يمتد نسـبه الطاهر إلى بيت النبوة, فالحسـين هو الحفيد المباشـر الثاني والأربعون للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي السابع من شباط عام 1999م كان الأردن–الأرض والإنسان–في وداع الحسـين وسـط حشـد من قادة العالم في جنازة وصفت بأنها «جنازة العصر» وكان ذلك الحضور دليلاً على مكانة الحسـين في دول العالم كافة، ومكانة الأردن واحترام الشعوب له ولقيادته الهاشـمية.
وخلال سـني حكمه كان الحسـين طيب الله ثراه، يؤمن بالمبادئ والقيم التي كانت تدعو إلى السـلام والتسـامح والوفاق والمسـاواة والعدالة حتى تمكن من جعل الأردن نموذجاً ومثلاً يحتذى به في الوسـطية والاعتدال.
ومنذ أن تسلم جلالة سـيدنا الملك عبد الله الثاني الرايـة، وهو يواصل المسـيرة بكل حكمـة واقتدار، حيث اسـتطاع بفضل سـعة افقه وحنكته ودرايته التعامل مع الأحـداث الإقليمية والدولية التي شـهدتها السنوات الماضية بكل حكمـة وعـزم وحـزم، حتى أصبح الأردن محط إعجاب وتقدير دول العالم نظراً لإصراره على الانجاز وتوفير الحياة الكريمة لأبنائه، كما يشـهد الأردن نقلة نوعية في مختلف مجالات التنمية الشـاملة، ويحرص جلالة سيدنا على التواصل مع أبناء شـعبه ويطلق على الدوام مبادرات تنموية تسـتهدف دفع العملية التنموية نحو الأمام، وا?تركيز على مشـاركة جميع القطاعات خاصة الشـباب والمرأة في مجالات التخطيط والتنفيذ، وقد أرسـى جلالته علاقات قوية ومتينة مع دول العالم، ما انعكس على متانة الاقتصاد الأردني وسـمعة الأردن الدولية، وليبقى الأردن كما أرادتـه قيادته الهاشـمية الحكيمة، منارة حق وهدايـة وتطلع نحو غـد أفضل بعون الله.
سـتبقى بقلوبنا هذه الذكرى التي أرادها جلالة الملك عبدالله الثاني أن تبقى خالدة خلود الوطن، ورمزاً للعطاء والبذل والتضحية وبهذه المناسـبة إذ نجـدد العهد والـولاء لوارث العرش الهاشــمي جلالة الملك عبدالله الثاني المفدى، وكلنا عزم للمضي خلف قيادته جنوداً أوفيـاء مسـتذكرين دور الحسـين الباني في تأسيس نهضة الأردن الغالي فبعهد الحسـين أصبحت عمان عاصمة للوفاق والاتفاق والتنسيق العربي المسؤول والداعية دوماً إلى مبادئ العدل والسـماحة وكرامـة الإنسان وتسـتمر المسـيرة بعهد جلالة الملك عبدالله الثاني كما أراد الحسـين،?داعين الله ان يغفر للحسـين ويجعل قبره روضة من رياض الجنة لقاء عمله الطيب تجاه وطنه وشـعبه وأسـرته الكبيرة، وان يمد في عمر جلالة ملكنا عبدالله الثاني المفدى وولي عهده الأمين وان يوفقهما بمسعاهما الطيب نحو تعزيز مسيرة البناء والنماء والحرص على تقدم الوطن ومنعته من كل المخاطر، والله الموفق وراعي المسيرة المباركة.