كتاب

التاريخ ليس مجرد معرفة

لا نستطيع إنكار حقيقة أن شبابنا وشاباتنا مبدعون في كثير من الميادين الثقافية، فالعنصر البشري هو عمود هذا الوطن وذخيرته، لكن ما ساء الغالبية العظمى منا منذ أيام ليس وليد اللحظة، فبكل أسف اعتمدت مناهجنا الدراسية على التلقين لتغادر المعلومة بمجرد انتهاء الاختبار، وأصبح لدينا بالمُحصِّلة جيل لا يدرك تفاصيل تاريخه الوطني بخلاف جيل سبقه عاش ما مرّ به الوطن من أحداث ومفاصل.

وهذا يفتح أسئلة لا حصر لها، أولها إلى متى سنبقى نعتمد الوسائل الكلاسيكية في التعليم، والثاني ما مدى زرع العقيدة الوطنية في أنفس الجيل الناشئ الذي ربما لا يعرف عن تاريخ وطنه إلا القليل، وكم هو الفارق بين توافر هذه المعرفة والعقيدة وعدم توافرها؟

بعبارة أدق؛ كيف سنعزز الروح الوطنية في وجدان جيل لا يلمّ حقيقة بكيفية قيام هذا الوطن العظيم وما واجهه من صعاب؟

إن الإبقاء على الطرق التقليدية في التثقيف لا يستقيم مع تطور العصر، ولا بد من تحديث وسائل المعرفة تلك بما يتفق والطفرة التي نعيش، وفي هذا المقام نضيف جملة من الأسئلة البديهية:

ألا تستحق الثورة العربية عملاً درامياً متميزاً يحكي قصتها للأجيال؟.. أليست سير عظماء هذا الوطن الراحلين من الشريف الحسين بن علي طيّب الله ثراه والمغفور لهم بإذن الله من أصحاب الجلالة عبدالله الأول بن الحسين والحسين بن طلال تستحق وأن تظهر للأجيال بصورة تستحقها في أعمال فنية بديعة؟

علينا أن نعترف بحقيقة أننا ظلمنا أنفسنا كثيرا في مسألتي التثقيف وانعكاس رسالة الفن على بناء العقيدة الوطنية، فلدينا في هذا الوطن من الحوادث والأحداث الكثير لنتحدث عنه، ومن بعض تلك مواجهة الوطن للإرهاب الذي استهدفه وما زال، وما زلنا اليوم في ذكرى تفجيرات عمان الأليمة التي لم تنل حقها في الأعمال الفنية هي الأخرى.

إنها منظومة متكاملة تعتني بالثقافة عبر مسارات متوازية تصقل شخصية المتلقي وتعيد إحياء معنوياته الإيجابية تجاه وطن عظيم صمد وما زال وسيبقى قلعة تتكسر على أسوارها الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وطن بنى وحدته الوطنية وهويته الجامعة على ذات القواعد والأحداث التي كانت سببا في تهدم أوطان وتفسخ جبهاتها.

لا تقف المسألة عند سطحية أن هناك من يحفظ تاريخ حدث أو يلمّ ببعض تفاصيله، بل هي أبعد من ذلك بكثير إذ تنعكس على روح المواطن وعزيمته وارتباطه بأرضه واعتزازه بهويته الوطنية.

التاريخ الوطني ليس مجرد معرفة، فتاريخ الآخر كذلك بينما تاريخ الوطن شعور قوميّ يبني ويُبنى عليه.