لن أفاجأ بأي تعليق من أحد القراء يتهمني فيه بالتقليل من حدة الصدمة التي أصيب بها الشارع حول ما حدث في الجناح الأردني بمعرض إكسبو الدولي. وأن وصف «الترهل» قد لا يفي بالغرض، فهناك إجماع على اعتبار ما حدث فضيحة، زاد من حدتها تعلقها ببعض ثوابتنا الوطنية والقومية، وضربها لفرضيات تتعلق بمستوى الوعي الشبابي، وأحاديث تتعلق بمتانة نظامنا التعليمي بشقيه الجامعي والمدرسي.
والأهم من ذلك تمسك الرسميين بأن تعظيم الشكوى من الفساد يستند إلى حالة انطباعية فقط، وادعاء بأن الوعي العام نجح في محاصرة فلول تلك الحالة، فاقتصرت على صغائرها فقط.
فما حدث في الجناح الأردني لـ«إكسبو» كان أمرا معيبا، ترك أثرا سلبيا كبيرا على مبررات وجود ذلك الجناح، وكذلك المشاركة الأردنية في ذلك الحدث العالمي الضخم الذي تواصلت التحضيرات والتجهيزات له سنوات طويلة. ويفتح ثغرة في العنوان الرئيس للمشروع الأردني الذي تركز عليه الحكومة في هذه الحقبة، والمتمثل بالترويج لمقومات الدولة فيما يخص عملية استقطاب الاستثمار، وتشجيع السياحة وتأكيد ثوابت الرسالة الأردنية في المئوية الثانية للدولة.
أما التعاطي مع ما حدث، فلم يكن مختلفا عن تعاطينا الرسمي والعام مع أية مشكلة يمكن إدراجها ضمن إطار الفساد، أو الترهل، أو حتى التقصير المفضي إلى فضيحة ترتقي إلى مستوى الجريمة. فكالعادة، أدلى كل طرف بدلوه، وحاول تبرئة نفسه، أو التقليل من حجم مسؤوليته عنها.
فالحكومة أعلنت أنها أنهت عقد الشركة المعنية، وردّت الشركة بأن من يتحمل المسؤولية موظفان «شاب وفتاة»، تم تعيينهما مؤقتا لمدة يومين، ولم يكن من مهامهما التصريح لوسائل الإعلام. وأن ما حدث كان نتيجة لضغط العمل وكثافة الزوار! وفي المقابل، فإن الإحساس بالخيبة على مستوى الشارع يتفاعل، ليس من زاوية الإعلان عن استعدادات مبكرة للمشاركة، ولا عن عناصر تلك الاستعدادات ومنها شراء خدمات أحد الموظفين لكي يدرب العاملين في الجناح، وإنما من زاوية كشف التجربة لهشاشة نظامنا التعليمي. وسطحية المستوى الثقافي لبعض العاملين في المعرض ـ كنموذج من الخريجين ـ مع أن المعلومة الصحيحة التي عكستها الإجابة يمكن أن تكون بمستوى طالب في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية. وتكشف في النهاية عن أن المعنيين لم يبذلوا جهدا في اختيار الشركة المعنية، ولا الموظفين الذي? أوكلت لهم المهمة. وأن شبهة فساد قد تكون وراء بعض التفاصيل التي من شأنها تعميق حالة عدم الثقة بين المواطن والحكومات المتعاقبة، ما لم تكن هناك إجراءات حاسمة، ومعالجة حقيقية لما حدث ومحاسبة لكل من قصر أو تهاون أو جامل على حساب المصلحة الوطنية.
وهذا لا يعني الاكتفاء بإنهاء عقد الشركة المعنية، ولا القبول بتبريراتها، ولا التسليم بأن ما حدث «خطأ غير مقصود». وإنما فتح الملف كاملا، وعلى كافة مصارعه، وصولا إلى تشخيص الحالة، وتحميل المسؤولية والضرر لكل من كان سببا في الوصول إلى تلك الفضيحة.