هذا المقال ليس تحليلاً رياضياً، فأنا لا أكتب أبداً في قضايا الرياضة، التي لها اختصاصيون أفضل مني.. وأنا لست منحازاً كروياً ولا مشجعاً لأي ناد أردني أو ضد ناد آخر.. وكانت آخر مبارة حضرتها في الدوري الأردني عام 1987 وبعدها لم أحضر أي مباراة، سوى بعض مباريات المنتخب الوطني لكرة القدم التي اقيمت في عمان خلال السنوات الماضية.
ولكن فرح الأردنيين الغامر لفوز نادي الرمثا بدوري المحترفين، بما في ذلك فرحة مشجعي اندية منافسة–باستثناء القلة القليلة–جعلني اتوقف عند مجموعة من الحقائق المهمة المتعلقة (بالفرح الأردني) عموماً وأسبابه.. وهي باعتقادي أسباب لها علاقة بالنادي ومدينة الرمثا تحديداً وبالاًردنيين إجمالاً إضافة لعوامل متعلقة بالهمّ العربي:
أولاً- يأتي فوز نادي الرمثا بالدوري بعد غياب عن الفوز منذ عام 1982 ورغم فوز الرمثا بعد ذلك ببطولات درع الاتحاد وكأس الاردن وكأس الكؤوس عدة مرات، إلا أن فرحة الدوري لها نكهة خاصة.. وقد مر النادي بظروف صعبة كثيرة استطاع تجاوز بعضها ومع ذلك بقي ضمن أندية دوري المحترفين.. وقد جاء الفرح والتضامن الأردني منذ انطلاق موكب النادي بعد الفوز من الملعب إلى الرمثا -والذي استغرق ست ساعات–وخروج المواطنين إلى الطرقات التي سلكها موكب النادي لاستقبالهم وللتعبير عن فرحهم باعتباره جزءاً من التضامن مع هذا النادي العريق.
ثانياً- مدينة الرمثا مدينة بهية، ككل المدن الأردنية، يحمل النادي اسمها، وأهلها كرماء وطيبون واغانيهم ودبكاتهم وأعراسهم التي حضرتها تعبر عن حبهم للفرح وللحياة... ولكن خلال السنوات العشر الماضية عانت مدينة الرمثا–الحدودية مع سوريا–وأهلها من أوضاع معيشية واقتصادية جمة نتيجة المواجهات الدموية المسلحة في سوريا واغلاق المعبر وانقطاع رزق عشرات الآلاف من الرماثنة الذين كانوا يعتمدون على التجارة مع سوريا وهذا أثّر كثيراً على اوضاعم الاسرية والمعيشية والنفسية.. وقد زرت الرمثا ثلاث مرات خلال العامين الماضيين ولم أجدها مثلما عرفتها قبل الأزمة السورية.
ثالثاً- أثرت جائحة كورونا منذ عام 2020 على أوضاع كثير من الأردنيين ذوي الدخل المتوسط والمحدود وأدت اجراءات الحظر الشامل التي قامت بها الحكومة والتباعد الاجتماعي وإغلاق صالات الأفراح والأعراس والحفلات الفنية والثقافية إلى تراجع منسوب الفرح لدى الأردنيين. وقد أكدت دراسة أجراها مركز متخصص بالجامعة الأردنية، قبل أشهر، أن حالات الاكتئاب والقلق النفسي والهلع زادت لدى الاردنيين بنسبة 65% وامتلأت عيادات الطب النفسي بالمراجعين حسب قول عديد من الاطباء.. لذلك كان طبيعياً هذه الحشودات التي رأيناها في حفلات المطربين في مهرجان جرش وغيرها.. فالأردنيون بحاجة الى فسحة فرح وبحاجة إلى اي خبر يبهجهم.. وهو ما حققه لهم نادي الرمثا بالفوز بالدوري.
رابعاً- الأوضاع الاقتصادية لدى الطبقة الوسطى القادرة على حضور الفعاليات الغنائية والفنية تراجعت بشدة خلال الأعوام الماضية وتزايدت بعد جائحة كورونا. ولكن الانفتاح الأخير لكثير من القطاعات أعاد الأمل والحياة لقطاعات كثيرة ومن بينها النشاطات الاجتماعية والفنية والأعراس والحفلات ومباريات كرة القدم والسلة وغيرها..
خامساً- الأردنيون بشكل عام يتأثرون بالمحيط العربي، لأنهم عروبيون وقوميون بالفطرة، ولذا فالاوضاع الدامية بالعراق وسوريا وخوفهم على بلدهم من ان تؤثر عليه تداعيات هذه الأوضاع زاد من منسوب القلق العام واصبحت الرياضة بالذات وكرة القدم بالتحديد متنفساً لهم للتعبير عن الفرح.. وهذا الفرح ينطبق أيضاً عند فوز أي لاعب أردني ببطولة عربية أو دولية او فوز بلد عربي ببطولة دولية حتى عندما يسجل اللاعب المصري محمد صلاح هدفا لفريقه (ليفربول) كانت مواقع التواصل الاجتماعي تشتعل فرحاً.
أخيراً..
الأردنيون بحاجة للفرح والاحتفاء بأي إنجاز مهما علا أو صغُر والحياة العامة مقلقة بكل تلاوينها فلنجعل للفرح مكاناً كبيراً وكفانا معاناة وقلقاً ونعم للانفتاح على كل مباهج الحياة.. مبروك لكل الأردنيين فوز الرمثا.