تشكل الهجرة، باتجاهيها الداخلية والخارجية، في الأردن، كتلة ضبابية ثقيلة أمام المواطن تحدُ من وضوح الرؤية المستقبلية التي يطمحُ والمجتمع برمته لبلوغها. وتُراكِم تبعاتِها مزيدا من انعدام المساواة داخل الأردن وفيما بينه وبين البلدان المختلفة (الهدف العاشر من أهداف الألفية) وتثقل أعباؤها بصورة مباشرة كاهل المواطن الأردني في مختلف المحافظات، وتعتبر معيقا لاعتلاء سلم الطموح المفترض في حياة الفرد.
إذا افترضنا أن كل المهاجرين الدوليين حول العالم توطّنوا في دولة واحدة، فسيشكلون خامس أعلى دولة من حيث عدد المواطنين (بعد الصين، الهند، الولايات المتحدة الأميركية وإندونيسيا) إذا اعتبرنا أن كل «شخص أقام في دولة أجنبية لأكثر من سنة بغض النظر عن الأسباب سواء كان طائعا أو مكرها، وبغض النظر عن الوسيلة المستخدمة للهجرة سواء كانت نظامية أو غير نظامية» مهاجرا (الأمم المتحدة).
يصنف الأردن على أنه دولةٌ طاردة وجاذبة للمهاجرين معا، حيث أنه يستضيفُ 57 جنسية مختلفة بما في ذلك اللاجئين والعمالة الوافدة الذين شكلوا جزءا من تحديات متنامية على اقتصاده المثقل بالديون، إذ بلغت قيمة نسبة المهجرين إلى عدد السكان في المملكة قرابة 41.% وعدد كلي يقدر 3,009,517 (العام 2020– البنك الدولي)، وهذا يزيد عشرات الأضعاف عن النسبة التي تشير عالميا إلى أنه مقابل كل 000 100 شخص هناك 311 لاجئا، بالوقت الذي تبلغ به في الأردن 365550 لاجئ لكل 100.000 لاجئ، ومن المؤكد أن تؤدي الجائحة إلى عكس مسار التقدم المُحرز في مجال الحد من عدم المساواة في الدخل منذ الأزمة المالية.
يشكل الأخوة السوريون العدد الأكبر بتعداد المقيمين على أرض الوطن، إذ يصل إلى 1.3 مليون، يليهم الأشقاء العراقيون 131 ألفا، والمصريون 636 ألفا، وعاملات المنازل من مختلف الجنسيات حسب تصاريح وزارة العمل بتعداد 91 ألفا تقريبا.
ووفقا لبيانات الحكومة؛ تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ارتفاع عدد اللاجئين الذين تُعنى بهم المفوضية في الأردن في العام 2018، إلى 769.26 ألفا مقارنة مع 734.84 ألفا في 2017، بنسبة زيادة تصل إلى 5%
تؤثر الهجرة بشكل مباشر على قطاعات الحياة المختلفة كالاقتصاد، والمجتمع، والصحة والتعليم، والأمن، الخ. وتلقي بتبعاتها السالبة، إلى جانب بعض الانعكاسات الإيجابية لها بكل تأكيد.
إن الإجهاد الاقتصادي الذي تعانيه الحكومة والمواطن معا من تبعات الهجرة يُنذر بزيادة الأزمة بمختلف أشكالها مستقبلا، وبخاصة الاقتصاد المعتمد بجزء كبير منه على فارق الحوالات بالعملات بين ما يدخل ويخرج على ساحة الدولة. لقد بلغت تكاليف التحويلات عالميا أدنى مستوياتها على الإطلاق عند 6.5 % (2020) (هناك حاجة إلى مزيد من التقدم للوصول إلى الغاية المتمثلة في 3 %)، بلغ إجمالي التحويلات من المغتربين الأردنيين حوالي 2.3 مليار دينار أردني للعام 2020/ البنك المركزي) في حين يضم سوق العمل المحلي أعدادا كبيرة من العمال المهجرين (غير الشرعيين) والمستقطبين، يقدر عددهم بنحو 1.5 مليون عامل تقريبا (هنالك تضارب بقيمة حوالات العاملين الأردنيين للخارج بين وزارة العمل والبنك المركزي دفعني لعدم تضمين قيمة حوالات العاملين بالأردن لذويهم) إذ يتعذر احتساب فجوة الحوالات واتجاهها فيما إذا كان موجبا أو سالبا مشيرا إلى الفجوة العددية التي تميل كفتها لمصلحة المقيمين على أرض الوطن مقارنة بالأردنيين العاملين بالخارج الذين يتجاوز عددهم المليون.
إن نزف الموارد جراء عملية التهجير لا يعتمد فقط على حاصل استهلاك المواد الأولية، وقيمة أرقام الحوالات العددية في حسابات البنوك، بل يرفع مؤشر أعداد ضحايا الهجرة عالميا حيث تشير الاحصائيات إلى تسجيل 4186 حالة وفاة واختفاء على طرق الهجرة في جميع أنحاء العالم (2020)، وتشير التقديرات إلى أن أزمة جائحة كورونا ستزيد متوسط (جيني) الأسواق الناشئة والبلدان النامية بنسبة 6 % (يقيس مؤشر جيني انعدام المساواة في الدخل، ويراوح بين الصفر و100، حيث يشير الصفر إلى أن الدخل يقسم بالتساوي بين جميع الأشخاص، في حين أن 100 تشير إلى أن شخصاً واحداً يحصل على الدخل كله).
ولتقليص الفارق في فجوة انعدام المساواة داخل الأردن وببين البلدان المختلفة، لا بد من:
تطوير استراتيجية وطنية لمعالجة الهجرة الداخلية والخارجية، يشارك بإعدادها جميع الفئات المعنية بمن فيهم المتأثرون من الهجرة، وإقرار مؤشرات قياس أداء غير مالية ومالية، تقاس وتقوم لتقليل تبعات الهجرة بمختلف أنواعها على القطاعات المجتمعية برمتها، وأيضا على المحافظات المختلفة (يتركز نحو ثلاثة أرباع سكان المملكة في 3 محافظات، وهي العاصمة والزرقاء وإربد، بنسبة تقدر بـ 74.8 %»، ويعود «التوزيع غير المتوازن للسكان نتيجةً لاختلاف توزيع الخدمات والبنية التحتية وتوافر فرص العمل في مناطق).
تشكيل مجالس محلية بالمحافظات مختصة بشؤون الهجرة والتهجير، تعمل على رفع مستوى الوعي لدى المواطن بقضايا الهجرة (التحديات والفرص)، بحيث تكون ذراعا رقابيا على مستوى تنفيذ الحلول الرسمية المتعلقة بالحد من الظاهرة، ورفع التقارير القطاعية المختلفة عن الآثار التي تحدثها عمليات التهجير في كل محافظة.
التأكيد على تقييم ومراجعة خطة الحكومة الاستراتيجية التي أعدتها استجابة للأزمة السورية وقياس ما تحقق من نتائجها المالية وغير المالية خصوصا وأن تركيز الحكومة بهذا الخصوص ينصب على البعد المالي، حيث بينت تلك الاستراتيجية حجم تمويل الخطة بلغ نحو 520 مليون دولار، من أصل 2.4 مليار دولار، منذ مطلع العام الحالي، وبنسبة عجز وصلت إلى 78.4%.
تحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالمحافظات، وحفز الفئة الشبابية والأسر لتطوير مشاريع تنموية تدر الدخل على أصحاب تلك المشاريع وتسد عوز متطلبات حياتهم المعيشية.
معالجة أزمة البطالة وفق خطة زمنية واضحة، وتنظيم سوق العمل والعمالة المحلية والوافدة.
أخيرا
لا بد من توجيه الأبحاث العلمية لدراسة أثر الهجرة على قطاعات المجتمع المختلفة (الصحية، التعليمية، والديموغرافية، الأمن المجتمعي، الخ.) دراسات تستند إلى حقائق وأرقام يمكن لنتائجها أن تعكس واقع الحال، على أن تأخذ بالاعتبار الهجرة الداخلية بين المحافظات، والخارجية (السالبة والموجبة) بين الأردن ودوائر محيطه الإقليمية والعالمية، والأخذ بتوصيات تلك الدراسات البحثية على المستويين الرسمي والشعبي.
خبير الاستشارات والتميز المؤسسي