كتاب

الأحزاب والعشائر



من جملة الهواجس التي تقابل الأنفاس الجديدة الساعية لترتيب الساحة الوطنية بصورة أحزاب برامجية عريضة، إشارات إلى أن الأحزاب بديل للأطر العشائرية، رغم أن المضمارين يتلاقيان في الكثير من الأسس والأهداف، ولا يتعارضان بالمطلق، فللعشائر والعائلات الأردنية مكانتها بصرف النظر عن كونها تمثل أغلبية أو أقلية، وللأحزاب دورها المنتظر منها كقناة دستورية لم تحقق المأمول منها في صنع حالة سياسية وطنية مؤثرة.

وللتدليل على صحة ما تقدم، سأورد بعض الأمثلة على نماذج لشخصيات وطنية كان لها حضورها على مستوى الوطن والعشائر وكانوا في ذات الوقت من قادة الفكر والرأي ومن أبرز مؤسسي ومنتسبي الأحزاب التي كان لها دور بارز في تاريخنا الوطني.

وممن نذكرهم في المرحلة الأولى التي امتدت خلال الأعوام (١٩٢١-١٩٢٨) مع حفظ الألقاب، راشد الخزاعي، مثقال الفايز، حديثة الخريشة، سعيد خير، ناجي العزام، حسين الطراونة، عودة القسوس وعلي خلقي الشرايري وآخرون، وبلغ عدد الأحزاب خلال تلك الفترة ثمانية أحزاب.

وفي المرحلة الثانية الممتدة بين (١٩٢٨-١٩٤٦) بلغ عددها عشرة أحزاب، وكان معظم الذوات السالف ذكرهم في المرحلة الأولى من مؤسسيها وأعضائها، إلى جانب صبحي أبو غنيمة، ماجد العدوان، محمود كريشان، إسماعيل البلبيسي، حمد بن جازي، نجيب الشريدة، متري الزريقات، رفيفان المجالي، نمر الحمود، سعيد المفتي، علي سيدو الكردي، محمد السعد البطاينة وسعيد أبو جابر وغيرهم الكثير من الشخصيات الوطنية.

ثم بلغ عدد الأحزاب خلال المرحلة الثالثة التي امتدت من (١٩٤٦-١٩٥٧) ستة عشر حزبا شكلت العديد منها رموز وشخصيات وطنية.

وبعد صدور الميثاق الوطني الأردني عادت الحياة الحزبية من جديد بعد زوال الموانع التي خلّفتها الظروف المحلية، واستقرار الساحة الخارجية نسبياً بعد سلسلة حروب وحركات وانقلابات في المحيط، وانسحاب تأثير المدّ الشيوعي الذي تحكّم في الخرائط العربية الحزبية بصور مباشرة وغير مباشرة وانعكس على داخلنا الأردني، لكن الأحزاب الوطنية التي تشكلت بعد ذلك لم تستطع منذ ذلك الحين أن تقدم نسخة تقنع الجماهير كي تحملها إلى قبة البرلمان إلّا قليلاً.

قد ذكرت في هذه المقالة جزءا يسيرا من الأمثلة على شخصيات وطنية كان وما زال لها الحضور والتقدير في ذاكرتنا الوطنية، وكان كثير منهم زعماء معروفون على مستوى عشائرهم والوطن، ولم تنزع عنهم الصفة الحزبية امتدادهم العشائري بل عززت من مكانتهم على المستوى الوطني لما أظهره توجههم السياسي من فكر وتميُّز ووعي، حيث شكل كلّ منهم أيقونة اقتدت بها الأجيال وتناقلت سيرتها ومسيرتها حتى يومنا هذا، كما يظهر ذلك أن بدايات الحزبية والتعددية في المملكة قد بدأت قبل ١٠٠ عام.

الشاهد في القول، أنه ليس في الدعوة إلى التحزب هدف خفي، بل هي مساعٍ لبلورة الفكر الذي يزخر به الوطن عبر حواضنه الدستورية المنتجة، ورغبة عامة في رصّ الصفوف من خلال رؤى مشتركة تجمع فسيفساء الوطن من شتى منابته وأصوله الزكية في أطرٍ سياسية تضمن للجماهير أن يصل صوتها وتشارك في صناعة المستقبل وتحقق الآمال المشتركة.

إن الهدف الرئيس من صنع كيانات حزبية فاعلة هو إنهاء الحالة التي أُشبِعَت اختباراً والمتمثلة بالاختيار النيابي على أسس جغرافية بحتة، فهذا دور المجالس المحلية لا النيابية، ولن يتحقق هذا الهدف طالما بقيت عناصر الاختيار فردية الطابع مناطقية المنشأ، وتلك نتيجة لا ينازع أو يجادل أحد في صحة تحققها ووقوعها والرغبة الجماعية المتعطشة للخروج منها، وقد حان وقت تصحيح المسار على أعتاب المئوية الثانية للمملكة.