أرقام مفزعة كشفت عنها ندوة عقدت الاسبوع الماضي لإعلان نتائج المسح الوطني لرصد عوامل الخطورة المرتبطة بالامراض المزمنة غير السارية في الأردن والذي نفذته وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وذلك بعد مضي عقد ونيف على تنفيذ مسح مماثل عام 2007.
الأمراض المزمنة غير السارية أمراض لا تنتقل بالعدوى، يصاب بها الشخص على مدى زمنى طويل، ومن يصاب بأحدها، يكون لزاماً عليه تلقي العلاج مدى الحياة، وهي عديدة ومتنوعة، على رأسها أربعة أمراض رئيسية: الامراض القلبيــة والوعائيــة، السرطان، السكري، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، هذه الأمراض تشترك بمجموعة من عوامل خطورة لحدوثها منها التدخين وتناول الكحول والغذاء غير الصحي وقلة ممارسة النشاط البدني.
بينت نتائج المسح اننا امام تسونامي لدية قوة هائلة ومدمرة لا تحمد عقباه إذا لم يتم التدخل بشكل سريع وعلمي إذ تشير النتائج إلى أن 78% من الوفيات بين الأردنيين تنجم عن هذه الأمراض، وأن الأردنيين يتقدمون بنسب التدخين بينما العالم يتراجع وأن 42% مدخنون حاليون مقارنة بـ 29% في المسح السابق وبمعدل إنفاق على السجائر يصل إلى 60 ديناراً شهرياً.
ومما يقلق ايضاً أن خُمس الأردنيين يعانون من ارتفاع ضغط الدم، وخُمس مصاب بالسكري، وثلثاً يعاني من السمنة و60% يعانون من زيادة الوزن، فيما خمس آخر يعاني من ارتفاع الدهنيات وحوالي 76% لا يشاركون في اي نشاط بدني، وثلث الاردنيين في الفئة العمرية 18- 44 سنة لديهم ثلاثة عوامل خطورة واكثر وتصل النسبة الى الثلثين في الفئة العمرية 45–69 سنة.
بالرغم من هذه الارقام المرعبة لم تحظ الأمراض غير السارية بتداول إعلامي مماثل لما حدث مع فيروس كورونا، خاصة أنها غالبا ما تكون المتهم الأول للوفاة، والتي أقرت وزارة الصحة بارتفاع نسبتها وبررتها بمعاناة الضحايا من مرض مزمن أو أكثر.
إن جوهر السيطرة على هذه الأمراض يكمن في التحكم في عوامل الخطورة لها من خلال وضع نهج شامل بمشاركة والتزام جميع القطاعات بما فيها الصحة والمالية والنقل والتعليم وغيرها للعمل سوية من أجل التقليل من مخاطر هذه الامراض وتعزيز التدخلات الرامية إلى الوقاية منها ومكافحتها مع تسليط الضوء على الحاجة الملحة إلى تحسين الرعاية الصحية الأولية لانها الأساس الذي تقوم عليه مكافحة هذه الأمراض وإدارة الجوائح العالمية.
وفي إطار الحديث عن التصدي لهذه الامراض تعود بي الذاكرة إلى عام 2010 عندما تشكلت لجنة لوضع استراتيجية وطنية للتصدي للامراض غير السارية، وكلف البروفيسور كامل العجلوني برئاسة هذه اللجنة وقيادة فريق اعداد الاستراتيجية التي اطلقت عام 2011 بحضور دولة رئيس الوزراء انذاك، وقد حرص الدكتور العجلوني على دعوة معظم وزراء الصحة السابقين لحضور الاحتفال وكشهود عيان على ما آلت إليه الأمور، انذاك أكدت الحكومة وعلى لسان رئيسها أنها ستولي هذه الاستراتيجية الاهتمام الكافي، إذ تبنتها في أيار من ذات العام وتم تفويض البروفيسور العجلوني بالمتابعة والاشراف وتقديم تقرير سنوي للرئيس يتضمن سير العمل، إلا أن الحكومة آنذاك لم ترصد فلساً واحداً لتنفيذ خطة العمل وكأنها تقول فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، حيث شرع الدكتور العجلوني وبشكل تطوعي رافقه العبد لله كاتب هذه السطور بتنفيذ عدة نشاطات ميدانية استمرت لعام، ركزت على دور المساجد في التوعية الصحية ودور أمانة عمان والبلديات في تخصيص أماكن للمشي وتحرير الأرصفة ودور وزارة التربية بعدم السماح للمدارس بتوزيع الأطعمة غير الصحية واعتبار حصة الرياضة حصة أساسية.
خلاصة القول، مكافحة الأمراض غير السارية أمر هام لتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تصبو إلى تخفيض الوفيات المبكرة الناجمة عن هذه الأمراض بمقدار الثلث بحلول عام 2030، مما يتطلب توسيع نطاق العمل الوطني بشأن هذه الأمراض، خلاف ذلك سنجد أنفسنا في عين «التسونامي».