غرقت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، بسيل هائل من التهاني والتبريكات لمن قبلوا في الجامعات الرسمية وعددهم 52 ألفاً، ولا يتوقف عدد الطلبة الذين سيدخلون الجامعات عند هذا الرقم، فهناك عشرات الآلاف يتوزعون بين المشمولين بالمكرمات الملكية، ومن سيدرسون على نفقة عائلاتهم في برنامج التعليم الموازي، بالاضافة إلى من سيدرسون في الجامعات الخاصة، فضلاً عن الذين سيدرسون في جامعات بالخارج.
وبعد سنوات سيحتفل هؤلاء بالتخرج من الجامعات. لتبدأ مرحلة مواجهة الحقيقة المرة وهي البحث عن فرص عمل، فيما أبواب القطاع العام شبه مغلقة أمام التوظيف إلا بحدود ضيقة جداً، حيث يزيد عدد الذين ينتظرون دورهم في سجلات ديوان الخدمة المدنية أكثر من 400 ألف خريج، وهو عدد يتطلب إيجاد شواغر لهم وانتظار عدة أجيال، في ظل ظروف اقتصادية وأزمات اجتماعية تتفاقم عاما بعد آخر!
كانت دراسة الطب والهندسة حلم الكثير من الطلبة وعائلاتهم، لكن ثمة تحولات جوهرية حدثت منذ تسعينات القرن الماضي، وفي شهر آب – اغسطس الماضي أصدرت نقابة المهندسين الأردنيين، إحصائية مفزعة أكدت أن نسبة المهندسين في الأردن، هي الأعلى عالمياً مقارنة بعدد السكان، يعني أنها أكبر من نسبة المهندسين في الصين، حيث يوجد مهندس واحد لكل 40 مواطناً أردنياً، ويبلغ عدد المنتسبين للنقابة «178002» مهندس ومهندسة، فيما يبلغ عدد طلبة الهندسة في الجامعات الأردنية «40593»، ونحو خمسة آلاف في جامعات خارج الأردن، ويقدر عدد المهندسين العاطلين عن العمل بـ 35 ألفاً، بنسبة تزيد على 20 بالمئة من إجمالي عدد المهندسين.
أما بالنسبة لمهنة الطب فيقدر عدد الاطباء العاطلين عن العمل بنحو أربعة آلاف، بالإضافة إلى عدد كبير من الكوادر التمريضية والمهن الطبية المساندة، رغم أن المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية تشكو من نقص حاد في عدد الأطباء والكوادر التمريضية، وهو ما يبدو واضحاً في ازدحام العيادات، حيث يضطر الطبيب خاصة في عيادات الاختصاص إلى استقبال بين 100 و200 مريض خلال عدة ساعات.
ومما يؤخذ على النهج الحكومي إحالة الاطباء ذوي الخبرة المتراكمة إلى التقاعد عند بلوغهم سنة الستين، وربط تعيين الاطباء بنظام الخدمة المدنية الذي يتطلب انتظار الدور، وكأنهم موظفون إداريون رغم حاجة وزارة الصحة الماسة لهم، وذلك ينعكس سلباً على جودة الخدمة، وبظني أن هذه الحالة حصاد التخبط الرسمي والاجتماعي خلال عقود. هذا واقع مقلق يؤشر إلى أن حالة الاشباع لم تعد تقتصر على بعض التخصصات، حتى بعد رفع معدلات القبول في كليات الطب والهندسة، أصبحت معدلات النجاح في «التوجيهي» خرافية تصل إلى 100 بالمئة!