وسائل التواصل الاجتماعي، أحد أهم مخرجات العصر الرقمي، والذين اخترعوا هذه المنصات كانوا يفكرون بتوسيع مساحة الحوار والنقاش والترفيه، وتبادل المعلومات المكتوبة والمصورة والفيديوهات، بسرعة غير معهودة وبتفاعل فوري بما يخدم البشر.
ولم يخطر في مخيلتهم أنها ستستخدم لإضاعة الوقت، لغايات شخصية وتبادل الشتائم والنميمة كما تفعل الغالبية العظمى من العرب، حيث تم استنساخ التقاليد والعادات العربية في النقاش والمناكفة والكيدية والشتائم، ونقلها إلى وسائل التواصل الاجتماعي!
وأي عملية رصد ومتابعة أو استطلاع، لما تحفل به منصات التواصل الاجتماعي، «الفيسبوك وتويتر وانستغرام والواتساب.. وغيرها »، من تفاعل نسبة كبيرة من الجمهور العربي مع ما ينشر فيها، تكشف حجم «الملهاة» والكم الكبير من السطحية والمزاجية وأحيانا السذاجة، في الاهتمامت والأولويات من مستخدمي هذه المنصات، أو ما يوصفون بنشطاء أو الأكثر متابعة وتأثيرا على هذه المنصات!
ومع ذلك لا يمكن تجاهل، أن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت متنفسا، ورفعت سقف حرية النشر والتعبير والنقد إلى مستويات غير مألوفة، وشكلت قوة ضغط وتأثير وازعاج لأصحاب القرار، خاصة أنها لا تخضع للرقابة ولا تحكمها معايير أخلاقية ومهنية، ولا تخضع لسلطة الدول والحكومات التي تصدر القوانين والتشريعات أو تقدم «الاعطيات»، بهدف التحكم بسقوف النشر في وسائل الإعلام والصحافة التقليدية, والبعض أصبح يفتح حساباً على «اليوتيوب» وهي عملية سهلة ومغرية، ويبث فيها فيديوهات يقول فيها ما يشاء، من كلام في السياسة والاقتصاد، وبعضهم يزعم أنه اكتشف أدوية وعلاجات من الاعشاب، ويقدم وصفات طبية لمعالجة أخطر الأمراض التي عجز عنها العلم!.. أو لتغذية النزعات الطائفية ونشر الكراهية والتحريض على التطرف.
ولم تفوت الحكومات وأجهزتها الفرصة لتطوير عملها، بالإفادة من هذه الوسائل، بل ربما زادت الاعباء عليها، حيث أصبحت تتابع وتراقب ما ينشر عبر هذه الوسائل، من تعليقات وحوارات وأفكار وانتقادات تطال الحكومات وسياساتها وأداءها... وأكثر من ذلك أصبحت توظف هذه المنصات في معاركها السياسية مع دول أخرى، أو ضد القوى والشخصيات المعارضة، وتشكيل ما أصبح يعرف في بلادنا العربية بـ«الذباب الإلكتروني» لهذه الغاية..!
ومن خلال رصد عشوائي قمت به، لحجم التفاعل مع بعض المنشورات والمواد والصور والفيديوهات، التي تزخر بها وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظت فرقا كبيرا في التفاعل، من خلال «اللايكات» والتعليقات والرسومات والاشكال التعبيرية، حيث تحظى المواد السطحية والضحلة والشخصية والساخرة بتفاعل كبير، بعكس المنشورات والمواد الجادة، التي تتطلب جهدا فكريا وثقافيا ومهنيا، وتتطلب متابعتها القراءة والتمعن بالمضامين والأفكار، وهذه لا يكترث بها أو يتابعها إلا قلة من أصحاب الحسابات، فالغالبية يريدون تناول «ساندويشات» خفيفة حتى لو كانت غير صحية!