كتاب

غربال السلطة

جاءت الانتخابات التشريعية المغربية لتقدم أدلة إضافية على حقائق سياسية أساسية، تستوجب أن تؤخذ بالاعتبار والاهتمام نخبويا وشعبيا.

ومن جملة تلك الأدلة ثبت أن التيارات ذات الصفة المعارضة لم تصنع الفارق الكبير الذي يؤهلها للاحتفاظ بالسّلطة رغم تمتعها بها على مدار عقد كامل من الزمان، حتى في الدول المستقرة ومع توافر الظروف المناسبة.

تلك نتيجة تراكمية لم تكن الأولى، إن كان على صعيد الإسلام السياسي أو تيارات المعارضة عموماً، فمعارضة السلطة مسألة سهلة، أما إحداث الفارق والحفاظ على تماسك المؤسسات والمجتمع وإحراز تقدم على مستويات الحياة المختلفة وقيادة التوازنات الخارجية مسألة أُخرى، كما أن المعيقات الداخلية قد تكون أكثر لدى الحكومات الحزبية العقائدية من نظيراتها المستقلة، وأحد أبرز تلك المعيقات هو كيفية القسمة على الجميع بمن فيهم الخصوم السياسيون، أو المنافسون بعبارة أدق!

تلك المعادلة الصعبة، فبين إرضاء القواعد المناصرة وخسارة الجموع الخارجة عن إطار التحالف تكمن الصعوبة وتستدعى الجرأة، بينما لا تواجه الأحزاب البرامجية الخالصة ذلك في الغالب، فبرنامجها وتحالفاتها ودائرة المناصرة جميعها متغيرة قابلة للتوسع، فلا عقيدة خالصة تربكها ولا كلاسيكيات ترغمها على الجمود.

ونتوقف هنا قليلاً لنقارن بين مصير الأحزاب التي تغلب عليها العقائدية وتلك البرامجية، فشأن الأحزاب شأن أي هياكل تتطلب الحياة منها مواكبة التطور والتحديث المستمران، وبخلاف ذلك فإن عمرها قصير نسبياً مهما طال، فلا يمكنها أن تعارك الحاضر بأدوات الماضي، وبخاصة مسألة تطور الشعوب وارتفاع مستوى تعليمها والثورة التقنية التي تعيشها، إذ لم تعد تقنعها أو تستهويها الخطب الرنانة والشعارات البراقة كما سلف في أزمان ما زال السواد الأعظم يبحث عن إجابات حول بعض رموزها، هل كانوا صادقين أم لا؟ هل كانوا منتصرين أم زينوا الخسارات؟ إلى آخر قائمة الأسئلة الباحثة عن حقائق، مما قاد للعزوف عن تلك النماذج وما تلاها من أشباه فردية وحزبية.

إن انسحاب العقائدية لحساب البرامجية هو تطور طبيعي يحاكي حاجة ورغبة ووعي المجتمع وتطوره، ويظهر للجميع بما لا يدع مجالاً للشك أن رياح التغيير قد طالت الحركات السياسية الدينية وأخواتها من المعسكرات المضادة لها، وأن الوقت قد حان لتستوعب الساحات الجماهير المتعطشة للأحزاب ذات الحلول، المستهدفة للجميع دون استثناء أو إقصاء، الأحزاب التي تتجه نحو الجمهور لا تنتظره هو ليؤمها، تحاكي عقله بعيدا عن الوجدانيات، تشتبك مع فكره دون مؤثرات روحانية، تقبل الآخر وتبقي أبوابها مفتوحة للمنافس والبعيد كما المناصر، برنامجها متغير بتغير الحاجات، قادرة على طرح الحلول وإختبارها وتحقيقها.