أدرك أن هذا سؤال إشكالي ومستفز للبعض، وأن الكثيرين يسارعون بشتم هذه الدولة تلقائيا، وتحميلها مسؤولية العديد من الكوارث التي تواجهها عديد المناطق في العالم بسبب سياساتها الامبريالية، وبالتأكيد تحتل القضية الفلسطينية طليعة الكوارث، التي تتحمل واشنطن مسؤولية أساسية في الظلم الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني، بسبب دعمها وحمايتها للكيان الصهيوني.
وببساطة بإمكان أي شخص أن يعدد نماذج كثيرة عن ظلم أميركا والجرائم التي سببتها لشعوب عديدة، نتيجة لسياساتها الامبريالية خلال القرن العشرين والعقدين الماضيين من القرن الحادي والعشرين.
على امتداد تاريخ البشرية كان ثمة قوى كبرى تبسط هيمنتها على الآخرين في كل منطقة، قوى اجتماعية أو قبلية قبل نشوء الدول، ثم جاء عصر الامبراطوريات التوسعية التي كانت تتنافس على توسيع نفوذها، ورافق ذلك ظلم للشعوب التي خضعت لهيمنتها، ونشبت بين تلك الامبراطوريات صراعات وحروب للسيطرة على العالم، وكان أبرز هذه الامبراطوريات «الفارسية، الرومانية، المغول، والامبراطورية البريطانية»، بالاضافة الى دول استعمارية أخرى مثل فرنسا والبرتغال واسبانيا، لكن جميع هذه النماذج انهارت، وحدثت تحولات في السياسة الدولية بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية، حيث ظهرت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، أقوى دولتين «امبراطوريتين» في العالم بما تمتلكانه من ترسانات سلاح هائلة بضمنها الأسلحة النووية.
وخلال 45 سنة كانت الدولتان تتنافسان إيديولوجيا وسياسيا واقتصاديا، على مناطق النفوذ في بقية القارات، وصار لكل منهما دول تابعة تدور في فلكهما، الى ان تفكك الاتحاد السوفييتي وما كان يعرف بمنظومة الدول الاشتراكية في بداية تسعينات القرن العشرين، وبذلك أعلنت الولايات المتحدة «انتصارها» وانفرادها بالهيمنة على العالم، قبل أن تعاود روسيا النهوض بشكل نسبي لتشكل عنصر ازعاج لسياسات واشنطن، كما بدت الصين منذ بدايات القرن الحادي والعشرين منافساً اقتصادياً قويً للولايات المتحدة!
ومع ذلك ما زالت أميركا هي «رقم واحد» في عالم اليوم، عسكريا واقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا، كما أن الهجرة اليها تشكل حلما لعدد كبير من مواطني دول العالم، وأستطيع وصفها بأنها «أكبر مستوطنة في تاريخ العالم»! حيث أسست بداية على أيدي المهاجرين الأوروبيين الذين استوطنوها، وبعد أن تجاوزت تحديات التأسيس والحرب الأهلية أصبحت بلد الفرص والهجرة!
ويستطيع الجالس في البيت الأبيض فرض عقوبات على أي دولة أخرى حتى لو كانت الصين وروسيا، وتضطر بقية دول العالم الالتزام بهذه العقوبات، والدولة التي تعاقب تعيش ضائقة اقتصادية وسياسية شديدة!
يبدو أن العالم بحاجة في مختلف المراحل والظروف إلى دولة عظمى تضبط مسار الأحداث، لكن مشكلة أميركا أنها دولة ظالمة، وتمارس سياسة المعايير المزدوجة، وما يعنينا كعرب بالدرجة الأولى أنها تشكل مظلة حماية للعدوان الصهيوني على شعب فلسطين..