في بواكير المئوية الثانية لمملكتنا، دشن جلالة الملك خطوط تحديث المنظومات الرئيسية الثلاث.
فالسياسية والاقتصادية والإدارية كلها ملفات تحتاج التحديث ومعالجة الاختلالات التي تنقسم إلى طبيعية بحكم الزّمن وأُخرى مضافة نتيجة بعض الاجتهادات الرسمية غير المثالية.
وعنوان المرحلة بصيغة أدق هو ترتيب البيت الداخلي ثم الانطلاق نحو المئوية الثانية بعزم وثبات، فالخيوط المتشابكة تحتاج خلايا اختصاص تفكّك عراها وتعيد تشبيكها بصورة دقيقة منتجة.
فهذا الوطن، غنيّ بالطاقات والخيرات والخبرات، وفي كثير من الأحيان يعجز المرء عن شرح أسباب عدم الوصول إلى العديد من الأهداف الوطنية، وحقيقة الأمر أن مطالعة المشهد بعمومية وتجرّد تكفي للدلالة على الأسباب، بين عادة وموروث وخشية من التغيير.
الجميع يعمل، والمؤسسات العامة والأهلية تؤديان ما هو مطلوب منها من أعمال، وهناك نتائج لكنها وبنسبة عالية لا تحقق المطلوب، تقليدية في الغالب ومن داخل الصندوق.
فالإدارة العامة صفتها الجمود النسبي، والقطاع الخاص يحتاج آذاناً صاغية ومسطرة قانونية نظامية ليؤدي واجبه، والمؤسسات التعليمية كثيرة ومتعددة لكن مخرجاتها لا تتناسب مع حاجة السوق، والشباب مفعم بالحيوية والرغبة في العطاء ويقدم ما إستطاع لكنه يحتاج الحواضن والروافع، والنقابات تقوم بواجباتها لكن تقدمها طفيف بما إنشغلت فيه من قضايا عامة بعيدة عن المهنية المطلوبة منها، والأحزاب تتوالد لكنها خارج الساحة التي يفترض وأن تكون لها حتى باتت كمّاً عددياً بلا أداء نوعي.
كل ذلك بحاجة إلى ورش صيانة عميقة متخصصة تشخص المشكلات بصراحة متناهية وتضع لها من الحلول ما يوصلنا للطريق المنشود بما يتوافق مع طبيعتنا التي طالها بعض التشوه هي الأُخرى.
الفرصة اليوم مناسبة لوضع الملفات تحت المجهر ودراستها كي نسير ضمن مصفوفة متكاملة متناسقة ضمن أدوار مرسومة لكل جهة ضمن اختصاصها وإمكاناتها، وهذا ما يستدعي ترسيم الحدود بين الأدوار التي تشابكت هي الأُخرى.
إن مطابخ العمليات أساس لوضع خطط السير نحو المستقبل، وقد كان في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية المشكّلة بموجب إرادة ملكية سامية ضمنت مخرجاتها حكومياً مثال بارز على إدراك حاجة الوطن لهذه المطابخ في سبيل التحولات الديمقراطية وصيانة المسيرة السياسية التي ينعكس أداؤها على مناحي الحياة كافة سلباً وإيجاباً.
المطلوب هو أن نستقبل التحديث بروح مؤمنة بضرورته وحتميته، وأن نتعامل مع الواقع وانعكاساته بمرونة وموضوعية، مع أهمية التخلص من الاعتياديات التي لم توصلنا إلى حيث نريد.