أسئلة كثيرة وهواجس مختلطة ترافق إرهاصات مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وحتى نضع تصوّراً للمجلس النيابي القادم والذي يفترض وأن يكون ثلثه على أساس حزبي ضمن مسيرة التدرج المنتظرة وصولاً إلى الحكومات البرلمانية، علينا أن نرصد تفاصيل الصورة وما سيكون لها من الأثر.
فوجود الحزبيّين في المجلس يمنحه نكهة سياسية وفكرية مختلفة، وهذا ما يفترض قدرة أولئك على جذب أقرانهم من المستقلين لغايات تمتين كتلهم البرلمانية، مما سينعكس على الأداء النيابي من حيث طبيعة مناقشات خطط الحكومة والرقابة على أعمالها ومخرجات اللجان النيابية التي ستكتسي بالصبغة السياسية في مشاريع القوانين التي ستقدم للمجلس، وسيستنهض ذلك الأداء همم باقي النواب من المستقلين لتقديم أقصى ما في الوسع على ذات الأسس الكتلوية الجماعية البرامجية، أي منافسة على قاعدة السياسة لا التسابق نحو الخدمات.
وحتى تتضح الفكرة أكثر، علينا ألا نقيس على واقعنا الحزبيّ الحالي بما له وما عليه، فمن المفارقات أن الأحزاب كانت أكثر تأثيراً قبل تدشين مرحلة التعددية، ورغم ما نالت بعد ذلك من تسهيلات كبيرة كان من بينها تقاضي الحزب خمسين ألف دينار سنوياً كمساهمة مالية من خزينة الدولة، فضلاً عن توزير عدد من الرموز الحزبية ونيلهم عضويات في مجلس الأعيان، إلا أن أوجه الدعم تلك لم تنجح في تحفيز الأحزاب بل أدت–المالية منها على وجه الخصوص- إلى نتائج عكس ما كان يرتجى منها، وثبت أن الحزبية فكرة وبرنامج وبحث عن قواعد تقتنع بها لتحمل الحزب إلى البرلمان بجهود جماعية محضة.
وعليه؛ فإن المأمول في المرحلة المقبلة أن تسير أحزابنا الحالية ضمن مسار من اثنين، الأول يقوم على الإندماج لتقوية الجبهات الحزبية وضمّ الجماهير، والثاني نشوء أحزاب بفكر جديد تحاكي رغبة الشارع ليستقر العدد بالمحصلة على نحو منطقي، بحيث يتسابق الجميع نحو إقناع الشارع ببرامجيته وديمقراطيته فيستقطب الأعضاء من أهل الرأي ويؤطرهم داخل هيئاته القيادية، ويعمل على جذب المؤازرين كناخبين يؤمنون بالفكرة وفعاليتها.
وفي نهاية المرحلة الأولى، سيشهد الشارع نقلة نوعية في آليّات العمل البرلماني، من خلال إنتخاب البرنامج الذي على أساسه يكون العمل تحت القبة، وأستحداث علاقة سياسية مختلفة بين النائب والناخب أساسها المتابعة والمحاسبة، وعلاقة سياسية صحية بين البرلمان بعمله الجماعي والحكومة، من خلال مقارعة الحُجّة بالحُجّة وطرح البدائل والخيارات القابلة للتطبيق والتي تسهم في تجويد الأداء بالمجالات الحياتية كافة.
لن تكون المرحلة الأولى مثالية، لكن علينا أن نهتمّ بتقويتها لتغيّر واقعنا السياسي وتمنح البرلمان الفرصة لتحديث وسائله وأدواته ونتائج عمله وفق ما يُرجى منه وما يفترض عليه أن يكون.
المجلس النيابي القادم
10:39 29-8-2021
آخر تعديل :
الأحد