من سخريات القدر، أن أكبر امبراطوريتين في العصر الحديث، هزمتا في أفغانستان، وهما الاتحاد السوفييتي قبل ان يتفكك، حيث استمر الغزو السوفييتي لأفغانستان عشر سنوات بين عامي 1979 و1989، بهدف دعم حكومة شيوعية في اطار الحرب الباردة والتنافس على مناطق النفوذ.
والامبراطورية الثانية هي أميركا، التي استمر احتلالها لأفغانستان 20 عاما بين عامي 2001 و2021، حيث بدأت قواتها منذ بضعة أسابيع تغادر على عجل مع بقية القوات الاطلسية. وهو مشهد يعيد الى الأذهان هروب القوات الاميركية من فيتنام إثر هزيمتها هناك.
من يريد فهم المشهد الافغاني بشكل سطحي سيقول لا يعقل أن الميليشيات الأفغانية، التي تقاتل بأسلحة بسيطة، تهزم الاتحاد السوفييتي وأميركا، أقوى دولتين ولديهما أسلحة تستطيع تدمير العالم! هذا صحيح لكن ليس المقصود الهزيمة العسكرية بمعناها الحرفي، بل أن واشنطن وموسكو كلتيهما أرسلت قواتها الى افغانستان، لتنصيب نظام حكم موال لها، ودعمه بالقوة العسكرية وبناء جيش محلي وفق عقيدة تخدم مشروعها السياسي، وأنفقتا على عمليات الغزو والاحتلال مبالغ هائلة، تكفي لتنمية دول عديدة فقيرة!
كلفة الاحتلال السوفييتي لافغانستان خلال عشرة أعوام تقدر بين 50 الى 70 مليار دولار، ورغم ذلك حقق المقاتلون الأفغان انتصارات حاسمة أجبرت الجيش الأحمر على الانسحاب في 15 فبراير/شباط عام 1989، ويقدر عدد الجنود السوفييت الذين قتلوا خلال تلك الحرب بين أربعين وخمسين ألفا، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى.
واستمرت الانتصارات العسكرية للمقاتلين الأفغان بعد الانسحاب السوفييتي، وسيطروا على كابول في 27 سبتمبر/أيلول 1996، وقتلوا الرئيس الأفغاني السابق نجيب الله، وأعلنت حركة طالبان أفغانستان «إمارة إسلامية» يحكمها الملا محمد عمر الذي لقب بـ«أمير المؤمنين».
اما الولايات المتحدة فقد انفقت على احتلالها لأفغانستان خلال 20 عاما حوالي تريليون دولار، وقتل من قواتها 2448 جنديا وجرح نحو 21 ألف جندي، ونحو 3846 من المتعاقدين الأميركيين، وقتل من عناصر الدول الحليفة وحلف الناتو 1144 جنديا، أما الخسائر بين الجيش والشرطة الافغانية فتقدر بنحو 66 ألف قتيل، كما قُتل أو جُرح ما يقرب من 120 ألف مدني، وها هو الجيش الافغاني الذي أنشأته وسلحته أميركا ينهار بطريقة دراماتيكية!
أفغانستان بلد فقير ولا يملك قدرات تكنولوجية متقدمة، لكن اندحار جيوش دول عظمى على أراضيها يطرح أسئلة كبيرة؟ والسر ببساطة توفر إرادة قتال وعدم الاستسلام للغزاة، ومن جهة أخرى هذا درس بليغ للدول العظمى التي تتدخل في شؤون الدول والشعوب المستضعفة، فالشعوب التي تحرص على كرامتها وسيادتها تقاوم حتى النهاية. ولو أسقطنا الحالة الافغانية على الواقع العربي، نجد أن الامة العربية تمتلك قدرات هائلة اقتصادية ومالية وثروات نفطية واسلحة، كفيلة بتحرير فلسطين لو توافرت الارادة السياسية!