مرَّت العلاقة بين الضفتين بعدَّة مراحل أثَّرت وحدَّدت موقف الأردن من القضية الفلسطينية، الأولى في أعقاب قرار الضم في 1950م، والثانية في أعقاب تعيين أحمد الشقيري رئيساً لمنظمة التحرير في 1964م، والثالثة مع قرار فك الارتباط في 1988م.
جاء قرار فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية لينهي فترة طويلة من العلاقة المؤقتة التي ربطت بينهما في ضوء القضية المحورية للعالم العربي التي تحمل الأردن جزءاً كبيراً من تبعاتها وهي القضية الفلسطينية.
لقد كان فك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية قراراً أردنياً أعلنه الراحل الحسين في خطاب له بتاريخ 31/7/1988م، وجاء القرار تجاوباً مع رغبة فلسطينية خالصة وتصميم عربي أكيد على نصرة القضية الفلسطينية، والذي قال فيه الملك الحسين «إن هناك توجهاً فلسطينياً وعربياً عاماً يؤمن بضرورة إبراز الهوية الفلسطينية بشكل عملي في كل جهد أو نشاط يتصل بالقضية الفلسطينية وتطوراتها وأصبح من الواجب أن نتجاوب مع متطلباته المنظمة الشرعية في تمثيل الفلسطينيين، وبضرورة إعطائهم الحق بالمطالبة بحق تقرير المصير وإقامة دولة ف?سطينية على الأرض الفلسطينية، ومن هنا جاء قرار مؤتمر القمة العربية بضرورة فك الارتباط الأردني الفلسطيني.
فمع تنامي الأحداث والتطورات على الساحة السياسية العربية وازدياد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وانتقاله إلى الشارع الفلسطيني عبر الانتفاضة، وتزامن مع الحديث الموسع حول مشروع فيشر المعروف بـ"الوطن البديل»، ورفض فكرة الوطن البديل لأن الفكرة تعني القبول بالاحتلال وضياع الأرض وعندما اختار الفلسطينيون استقلال قرارهم وتمثيل منظمتهم بارك الأردن لهم ذلك القرار، وأعلن فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية تجاوباً مع خيارهم مع حرص الأردن على ألا يمس ذلك القرار ما بين الأردنيين والفلسطينيين من أخوة ووفاء ودم مش?رك.
وعقد الملك الحسين سلسلة من اللقاءات الشعبية المفتوحة مع رجال القبائل والعشائر والشخصيات العامة وممثلي النقابات المهنية والعمالية الأردنية على امتداد شهر مايو 1988م، بهدف تهيئة الرأي العام والتمهيد للإعلان عن قرار سياسي مصيري، وترك باب الاجتهاد فيه مفتوحاً.
ولقد أثار الحسين في كلماته قصة الوحدة الأردنية الفلسطينية على أنها وحدة مقيدة مؤقتة مشروطة حسب نص قرار مجلس الأمة الأردني في 24 إبريل 1950م، الذي ينص على عدم المساس بالتسوية النهائية لقضيتها العادلة–القضية الفلسطينية وحسب قرار الجامعة العربية في12 يونيو 1950م، والذي ينص على أن المملكة الأردنية الهاشمية تُعلن أن ضَم الجزء الفلسطيني إليها، إنما هو إجراء اقتضته الضرورات العملية، وأنها تحتفظ بهذا الجزء وديعة تحت يدها، على أن يكون نابعاً للتسوية النهائية لقضية فلسطين عند تحرير أجزائها الأخرى بكيانها الذي كانت ع?يه قبل العدوان
ويري البعض أن قرار فك الارتباط الإداري والقانوني لم يكن دستوريا لانه لم يتم نشره في الجريدة الرسمية وأن الحكومة وحدها لا تملك حق القيام بهذه الخطوة، فعندما قامت وحدة الضفتين عام 1950م قامت نتيجة قرار جماعي في 24 أبريل 1950م اشترك فيه مجلس الأمة بنوابه وأعيانه الذين كانوا يمثلون الضفتين، ولا يجوز فك ارتباط الضفتين إلا بقرار مماثل.
ويمكن القول إن مرحلة فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية قد شهدت أكبر تحول في الرؤية والسلوك السياسي الأردني للقضية والقدس، ففي 31 يوليو 1988م، أعلن الأردن قراره التاريخي بفك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية وفي هذا السياق قال الراحل الملك الحسين مخاطباً شعبه الأردني ومبيناً له الأسباب التي حملته على هذا القرار في هذه المرحلة بالذات قائلاً «يسعدني أن أتحدث إليكم حيثما كنتم على ثرى وطننا الأردني العزيز وأن أخاطب فيكم العقل والقلب معاً وقد باشرنا بعد الاتكال على الله وعلى ضوء دراسة عميق? مستفيضة بأخذ سلسلة من الإجراءات لدعم التوجه الوطني الفلسطيني وإبراز الهوية الفلسطينية، متوخين منها مصلحة القضية الفلسطينية والشعب العربي الفلسطيني.. ويقيناً أن قرارانا باتخاذ هذه الإجراءات لا يفاجئكم فالكثيرون منكم ترقبوا، والبعض منكم طالبوا به قبل اتخاذه بزمان، أما مضمونه فقد كان للجميع ومنذ قرار قمة الرباط، محل نقاش وبحث واجتهاد».
فجاء قرار الحسين بفك الارتباط في 1988م لإظهار الشعب الفلسطيني كشعب مُناضل يُمارس حقه لتقرير مصيره، مع تسهيل مهمة المنظمة لتحقيق هدفها بقيام الدولة الفلسطينية تأكيدا لقرار مجلس الأمة الأردني في 24 أبريل1950م الذي ينص على عدم المساس بالتسوية النهائية للقضية الفلسطينية.
وقرر الحسين إبقاء بعض أجزاء الأماكن المقدسة تحت الوصاية الأردنية، مع سريان القوانين الأردنية في مدينة القدس والضفة الغربية. كما جاء قرار فك الارتباط لإجهاض المشروع الصهيوني الداعي إلى أن يكون الأردن هي الوطن البديل للفلسطينيين، وأكد الحسين أن الأردن هو الأردن وأن فلسطين هي فلسطين، وأن قرار فك الارتباط لن يؤثر على ما بين الأردنيين والفلسطينيين من أُخوّة ودم مشترك، ولا يَعني خروج الأردن من جوهر الصراع العربي الإسرائيلي لأن حدوده مع إسرائيل هي أطول حدود لدولة عربية مع دول الطوق حتى بعد فصل الضفة الغربية.
ولا شك أن توقيت مسألة فك الارتباط القانوني والإداري قد جاءت في الوقت المناسب وهي تنم عن نضج سياسي عميق وإدراك واعٍ لما يحيط بالمنطقة فالشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يستطيع على ضوء هذا القرار أن يطالب بحق تقرير المصير لنفسه طبقًا لميثاق الأمم المتحدة، خاصة أن الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في الأراضي المحتلة في قمة عطائها، ولقد فوت فك الارتباط على أحزاب اليمين المتشدد الحاكم في تلك الفترة في إسرائيل أطروحات قادته القائلة إن الأردن هو الوطن البديل للفلسطينيين، وأكد الأردن المبدأ القائل إن الأرد? هو الأردن وأن فلسطين هي فلسطين، وبالتالي يكون المغفور له بإذن الله الملك الحسين قد لعب دوراً مهماً في خدمة القضية الفلسطينية وذلك في إزاحة مسألة الازدواجية في تمثيل الشعب الفلسطيني وأراح نفسه من الافتراءات التي وجهتها له بعض الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير بأن عمان تريد أن ترِث الضفة الغربية وتلتهمها.
ولكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن الذهن في هذا الصدد أن هذا القرار هو من مخرجات الموقف العربي الداعي إلى فك الارتباط وليس من صناعة الأردن أو من تفكيره وإرادته السياسية فهو صناعة عربية حاكته الدول العربية في مؤتمر القمة العربي في الرباط 1974م، وعملت على إبرازه إلى حيز الوجود في الوقت الذي سعت القيادة الأردنية إلى إبقاء العلاقة بين الضفتين رمزاً للوحدة القومية وعنوان القوة العربية في ميادين القتال وعلى طاولة المفاوضات.