فالثورة العربية الكبرى تمثل المرجعية الفكرية والتاريخية للدولة الأردنية الحديثة، بما حملته من قيم الحرية والكرامة والنهضة والوحدة، وقد شكلت هذه القيم الأساس الذي انطلقت منه الدولة الهاشمية في بناء مشروعها السياسي القائم على الاعتدال والانفتاح واحترام الإنسان وسيادة القانون، ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الثورة العربية الكبرى باعتبارها الإطار المرجعي الذي حدد هوية الدولة ورسالتها ودورها في محيطها العربي، ورسخ منظومة من المبادئ التي ما تزال حاضرة في السياسات الوطنية وفي رؤية الأردن لموقعه الإقليمي والدولي.
وفي سياق تطور الدولة الأردنية، شكلت القيادة الهاشمية الركيزة الضامنة لاستمرارية هذه الرسالة وتحويلها إلى سياسات ومؤسسات وبرامج عمل، ويأتي عيد الجلوس الملكي مناسبة لاستحضار مسيرة سبعة وعشرين عاماً من العمل الوطني بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، وهي مرحلة ارتبطت بمشروع متكامل للتحديث والتطوير المؤسسي، فقد انطلقت خلال هذه الفترة جهود واسعة لتعزيز كفاءة الدولة وتطوير التشريعات وتوسيع المشاركة السياسية وتحسين بيئة الاستثمار ودعم التحول الرقمي وتحديث الإدارة العامة، بما ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة والاقتصاد المعرفي.
وتبرز أهمية هذه المنجزات عند قراءتها في ضوء البيئة الإقليمية التي شهدت خلال العقود الماضية أزمات وصراعات وتحولات عميقة، فالحفاظ على استقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها وقدرتها على تنفيذ برامج التحديث في مثل هذه الظروف يعكس فاعلية النموذج الأردني القائم على التوازن بين الحفاظ على الثوابت الوطنية والاستجابة لمتطلبات التطور، وبين صون الاستقرار ومواصلة الإصلاح والتحديث.
أما الجيش العربي، فيمثل البعد المؤسسي الذي وفر الحماية لهذه المسيرة الوطنية، فالدولة الحديثة تستند إلى رؤية سياسية واضحة وإلى مؤسسات قادرة على حماية السيادة الوطنية وصون الاستقرار الداخلي، ومن هذا المنظور، أسهمت القوات المسلحة الأردنية في تعزيز قدرة الدولة على الاستمرار ومواجهة التحديات، وشكلت أحد أهم عناصر الثقة الوطنية بمؤسسات الدولة، كما رسخت عبر تاريخها قيماً ترتبط بالانضباط والكفاءة والجاهزية والالتزام بالمصلحة الوطنية العليا، وحافظت على دورها بوصفها إحدى الركائز الأساسية للأمن الوطني والاستقرار المجتمعي.
وتكشف قراءة هذه المناسبات الثلاث عن وجود علاقة عضوية بين المرجعية الفكرية التي مثلتها الثورة العربية الكبرى، والقيادة السياسية التي جسدتها المسيرة الهاشمية، والمؤسسة العسكرية التي وفرت مظلة الأمن والاستقرار، وقد تفاعلت هذه العناصر ضمن إطار وطني واحد أنتج تجربة الدولة الأردنية وأكسبها القدرة على التكيف مع المتغيرات والاستجابة للتحديات وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.
وتعكس هذه المناسبات مساراً وطنياً متصلاً يجمع بين الهوية والإنجاز، وبين الشرعية التاريخية وفاعلية المؤسسات، وبين الرؤية السياسية ومتطلبات التنمية، ومن خلال هذا التفاعل المستمر بين الثوابت الوطنية وبرامج التحديث والتطوير، استطاع الأردن أن يبني نموذجاً وطنياً يقوم على الاستقرار والاعتدال والقدرة على مواصلة التقدم، مستنداً إلى إرث تاريخي راسخ ومؤسسات قوية ورؤية تستشرف المستقبل بثقة واقتدار.