كتاب

دور المدقق النزيه في كشف الفساد

إذا كان المدققون الخارجيون لحسابات الشركات المساهمة العامة والخاصة لا يفتشون عن أي عمل فيه احتيال أو فساد فما فائدة تدقيقهم؟! هذا التساؤل بقي دون جواب حتى تاريخه.

وللعلم شركات تدقيق الحسابات تتفنن في تغطية نفسها من نواحي قانونية باستخدام عبارات وجمل مكررة مختارة بعناية تحميها من المسؤولية وتبرئ ساحتها، مثال: البيانات تظهر بصورة عادلة المركز المالي للشركة وأن التوصل لنتائج إضافية يتطلب الخوض في الحسابات بشكل تفصيلي.. وهي كليشيهات معروفة تتكرر في شهادات المدققين السنوية حول البيانات المالية.

وبعد بضع سنين وبرغم كل هذه البراءات والعبارات العائمة المتكررة والتي تفسر الماء بالماء ورغم اتباعهم المعايير الدولية في المحاسبة والتدقيق، واعترافهم بحصولهم على الأدلة الكافية التي تعتبر الأساس الكافي لإبدائهم الرأي في وضع الشركة، تجدها قد بدأت في تكبد الخسائر تلو الخسائر وبشكل مفاجئ ومريب نتيجة عملية فساد مرت ولم يلاحظها أحد، ثم يبدأ مسلسل التعثر في السنوات اللاحقة دون حساب، وأخيراً ندخل في مهزلة التصفية التي لا تنتهي.

صحيح أن المدقق في الماضي كان لا يستطيع الجزم بأن شركة ما فيها تلاعب من عدمه بحكم كثافة المعاملات الورقية وصعوبة التتبع، واضطراره لأخذ عينات قد لا يكون من ضمنها خيوط تقود لاكتشاف الفساد وحاجته لتخصيص وقت كافٍ لعقد جلسات في الشركة للتحدث مع المعنيين فيها. أما في وقتنا الحالي حيث العمليات مؤتمتة، وبوجود التكنولوجيا؛ الأهداف يجب أن تتغير ليتحمل المدقق مسؤوليته الرقابية في مراجعة كافة المعاملات والأحداث، وبما يؤدي إلى كشف الفساد منذ بدايته وقبل استفحاله.

المدقق يجب أن يدرك أن دوره رقابي وليس إشرافياً على الشركات، وذلك حتى لا تتكرر مآسي التعثر والتي أدت إلى ضعضعة الثقة بالاستثمار في بورصة عمان في ظل ضعف النظر الرقابي، وعدم القدرة على إنصاف المساهمين.

من المهم في ظل التحديات الاقتصادية وحفاظاً على الزخم الاستثماري المدعوم بانخفاض أسعار الفائدة أن يتم التركيز على أحكام الرقابة على نشاط الاستشارات وهو النشاط المجدي مالياً والمربح لشركات التدقيق والذي دائماً تحيطه شبهات تعارض المصالح، ولهذا يجب تنظيمه من الجهات الرقابية، بحيث يسمح لشركات التدقيق أن تختار ما بين التدقيق أو تقديم الاستشارات وفق الاتجاه العالمي الذي بدأ تطبيقه.

شركات التدقيق العالمية أو ما يطلق عليها الأربعة الكبار وبعد اللغط الذي رافق أخطاءها القاتلة، وبعد أن أضحت تعطي تركيزاً في أعمالها على الاستشارات بدلاً من التدقيق، جاءت قراراتها احترافية على مستوى العالم في وقف تقديم خدمات الاستشارات لعملائها من الشركات المدرجة منذ العام 2020.

تغيرات مهمة أصبحت ضرورة في ظل المشاكل المالية والتعثرات، فهل نرى شركات التدقيق المحلية تتجه بحزم نحو تشديد الرقابة واستبدال إشرافها على البيانات المالية بالرقابة على الشركة بهدف كشف ممارسات الاحتيال أو الفساد إن وجدت؟ وهل ستحسم موضوع الاستشارات بفصلها فصلاً فعلياً لا شكلياً عن نشاط التدقيق، بحيث تتفرغ الشركة إما لنشاط التدقيق أو نشاط الاستشارات؟ وهو ما يحتاج لتكاتف الجهود الرقابية لمراقبة الشركات وهيئة الأوراق المالية في هذا الاتجاه.