في زمن الأنبياء الآوائل كان الله ينُزّل على الرُسل كتباً مطهرة وقيمة، من التوراة والإنجيل والزبور، حتى ختمها بالقرآن الكريم الذي بدأه بكلمة واحدة هي «إقرأ» على نبيه محمد عليه السلام وهو أميّ لا يقرأ ليثبت له النبوة بالمعجزات كي يخرج الناس من الظلمات الى النور، وهذه ليست موعظة مني للناس، بل تأكيد لأهمية أن تكون الأمة قارئة ولديها الخبر اليقين لا الكذب والتزييف والتحريف، ولعل العرب قبل الإسلام قد عظموا سوق عكاظ، إذ كانت منتدى يشرح به شعرائهم مواقف عام مضى، ويرسلون الرسائل لغيرهم، ومن كان أفصح وأقوى تعبيرا وحجة فهو زعيم بأن يسيطر على عقول الناس.
اليوم تأتي صحيفتنا الرأي عميدة الصحافة الأردنية وهي تجر أثواب خمسين عاما ذهبيا من ورق الحق الناصع وجبينها يقُطر حبرا على وجه التنوير الوطني، وكاهلها ينوء بتعب السنين الطوال وهي تحمل رسالة الدولة الأردنية بتفاصيلها الشعبية والرسمية، وتقاتل على شرفات الإعلام الراقي والمتزن بجلال الكلمة ومصداقية البيان، وهي تتلمس اليوم مقاعد رجالات عمالقة مروا عليها بسواعد العزم والفكر الوطني والإقدام المعنوي للدفاع عن مصير وطن كان يراهن البعض على تفكك هيكله في أي حين، ومنهم من قضى نحبه ومنهم ما زال على قيد الوطن يستذكر كل حرف خطته يده أو ساعدت في ولادته عبر الأم الرؤوم الرأي.
كانت ولادة الرأي في الثاني من حزيران 1971 أشبه ما تكون تأليف جيش سياسي من المغاوير للدفاع عن وطنهم ووجهة نظره وإعلاء خطابه الحصيف والرد على الأراجيف والأكاذيب التي امتلأت به صحف العواصم المؤدلجة، وكان العجز في خطاب الدولة قبل ذلك عاجزا عن إيصال الحقيقة الأردنية، حتى بعث الله وصفي التل ليقرر أن القوة ليست بالسلاح فقط بل بالرواية الحقيقية والصادقة وبناء درع يدافع عن مواقف الوطن، درع له لسان وشفتان بلغة صامتة يقرؤها كل ذي عقل راجح، وتذب عن حياض الديار الأردنية وتمثل وجهة نظر عالية، فكانت الرأي كعلامة فارقة هي صناعة الأبطال من شهداء المواقف.
لم تكد الرأي،التي قررها وصفي وباركها الحسين وصفقت لها الدولة، لتبلغ شهرها السادس، حتى فقدت مؤسسها العظيم وصفي التل بأيد غادرة وعملاء خونة وتخطيط خفي حقير سعت مجاميعه الى قتل مستقبل وطن يجمع ولا يفرق، يدافع أبناؤه عن أمتهم العربية كمن يدافع عن أهل بيته، ولم تستكن هذه الصحيفة الأيقونة التي قادت وما زالت سُحب المسؤوليات الثقال، وبقيت بيت الخبرة وحاضنة الجميع والبيت الأول والأخير لكل أبناء الوطن، تمشي على خطى المؤسسين الأوفياء جميعهم لبلادهم كمدرسة خرّجت قامات وجحافل من المسؤولين والوزراء وأعيان الدولة.
خمسون عاما هي نصف عمر الدولة الأردنية، وفيها ساح على صفحات الرأي شوق ودموع ودماء وبطولات حملتها الكلمات والأعمدة والعناوين كذاكرة الجدة العجوز الشريفة، التي لم تتمن يوما أن ترى أبناءها وأحفادها وهم يحملونها الى دار العجزة، بل وقفت رغم اعتلال صحتها وتعاظم حملها لتبقي عودها صلبا بفضل أبنائها الذين يعملون ليل نهار للحفاظ على تاريخ قد لا يهم البعض من الأجيال المستجدة على المسؤولية، وكيف يهتمون وهم منسلخون عن ثوب الوطنية كرقطاء تسلخ ثوبها كل عام، فبقي الشباب يعملون ويقدمون جهدهم رغم ضيق ذات اليد، ورغم تخلي أصحاب المسؤولية عن واجب الدفاع عن صحيفة دافعت بقوة مانعة يوم اختبأ البعض في غرف نومهم. إن الصحافة المطبوعة لا تموت، حتى وإن قُتل مؤسسها لؤد الرواية، فهي صاحبة الجلالة التي تبارك لكم أنها تراكم بعينها وتعلم أن الحياة قيمة وتاريخ وشواهد لا ثمن مادياً وسوقاً يتنافس فيه تجار الأوطان.. ولكم من الرأي تحية لا تموت بموت الأيام وأهلها.
صاحبة الجلالة تهديكم تحياتها
12:18 2-6-2021
آخر تعديل :
الأربعاء