يمثل تاريخ الثاني من حزيران، يوما وطنيا بالدرجة الكاملة حيث الاحتفال السنوي بعيد ميلاد جريدة الرأي، التي دخلت وسكنت القلوب والمنازل بعفوية وجذابة واستحقاق يصعب ترجمتها بأحرف وكلمات، حيث تتواضع الفواصل أمام عظمة هذه المؤسسة الوطنية، التي تلعب دورا مؤثرا بنقل الخبر الصادق والكلمة المثالية للتوثيق لتاريخ هذا الوطن وإنجازاته، فهي المرجع للاستئناس، وهي القاسم المشترك بإجماع بين أبناء الشعب على مكانتها ودورها، فهي الأم للصحافة الورقية التي حافظت على تألقها وتقدمها منذ عهد التأسيس، فالتاريخ ذاته يذكرنا بواحد من عظماء رجالات الدولة صاحب الفضل الأكبر لولادة هذه الحصيفة الوطنية وهو دولة الشهيد وصفي التل.
في كل عام وبهذا التوقيت، يحار القلم لبلورة فكرة تجول في خاطري، وتتلعثم الكلمات بين اسطر الوجدان والحقيقة، محاولا بقدر أن أتجرد من التعصب لها وعليها، فهناك رؤية تتجسد بمحتواها ورسالة تحملها الصحيفة بصدقية ومهنية، بالرغم من ظروف المعاكسة التي تعصف بمسيرتها نتيجة تخبط بقرارات اجتهادية في سابق عهد، ولكنها، بهمة رجالها وتراصف الأكتاف والجهود، قفزت عن الصعب وبرهنت القدرة على التحدي المطلوب للديمومة، وهي تواصل رسالتها بالرغم من ظروفها الصعبة بتضحيات متواصلة لأجيال عطائها، وهي الرحم الصانع لفئة مقدرة من رجالات الدولة عبر مسيرتها، بعهد جديد متجدد، جعل منها أحد أطباق الحياة اليومية لمائدة الاستمرارية بما تحمله من ثمار عبر الأيام.
الرأي تسكن وجداني منذ بداياتها في سبعينات القرن الماضي، فكانت مقالتي الأولى التي رسمت الأمل وترجمت الحلم بمنتصف السبعينات عبر مقالة أحتفظ بعددها تعليقا على تحقيق صحفي للآستاذ عوني بدر عن المرحوم الأديب الأردني أديب عباسي، ابن الحصن الذي ظلمه الزمن، فحرمنا من ثروته الفكرية والعلمية والأدبية، بالرغم من سجال عبر صفحاتها في ذلك الزمن لفترة تزيد عن شهرين من الزمن حرك رياح النسيان الساكنة، وتحركت قريحيتي وسفينتي للإبحار بعالم اللغة العربية لأجتهد بترجمة أفكاري بالقدر الذي يسمح، وبالرغم من الابحار لعالم الطب وسنوات الدراسة الطويلة، ثم الالتحاق بالسلك الأكاديمي بكلية الطب بعد اجتياز سنوات الاختصاص، إلا أن الحنين ودفء المكان لصدق الشعور والاختيار، لعبا دورا مؤثرا ببناء جسر الاستمرارية بين الطب والأدب، فحملت هموم الوطن والمهنة، وأترجمها حتى الساعة بمقالات متتالية عبر صفحاتها، أجتهد وأصيب بحدود العلم والمعرفة، ولا أتجاوز مساحة الحدود التي أجد فيها ذاتي، فهموم المهنة والوطن تتقاذف الوقت والزمن بمحبة وشوق وتنافس، يمنحني طاقة السعادة، حتى بالتعليقات السلبية منها لأسباب لا مجال للخوض فيها اليوم والتي تتجاوز سقف الحدود أحيانا، لأنني أطفئ مع الرأي الشمعة الخمسين محتفلاً بيوم مولدها، ورسالة إشراق لغدد أفضل بما يحمل من خفايا لا نعلمها، لنجدد العهد بأننا مع الرأي وبـالرأي باقون وداعمون، لها علينا واجب الدفاع عن وجودها للحفاظ على هذا الهرم الوطني الذي ساهم بصناعة المجد بما سطرت صفحاته من دروس وعبر، وتحقيقات بقلب الحدث بجميع محافظات الوطن، حيث المصداقية عبر خط مسير وطني واضح، يصفق للمجتهد ويصحح المسير لمن انحرفت عرباتهم.
حكاية التعلق بـالرأي؛ حكاية عشق صادقة، وهي التي وقفت معي وساهمت بنقل معرفتي تتويجا لرسالتها، فلها بمذكرات العمر فصولا، سأكون أمينا بترجمتها وتوثيقها، بعد أن حملت عبر صفحاتها مسيرتي، مشوار كلية الطب، من الإبتدائية إلى الأستاذية، والتي تترجم فصول المعاناة والصبر والتصميم لحلم بدأ بفكرة أيام المدرسة الإبتدائية، وبدأ يكبر وينمو، عبر طريق غير معبد، ولكن الخاتمة كانت سعيدة بجميع فصولها، حتى الصعبة منها، فمذاقها مختلف لأنها ارتوت بدموع العين ومداد القلب، وتضحيات أبوية لمن نذروا البناء وأصابوا.
أتمنى للرأي بيومها الخالد، إنطلاقة تحمل رياح الطمأنينة للعاملين بها بعد سنوات من القلق والأرق على المستقبل، وأقول لها بأننا بحاجتها لأنها الناقل الوطني الأول للكلمة المكتوبة التي توثق الحاضر للمستقبل، وهنيا لها بحرص أبنائها الذين الذين اختاروا البقاء بحاضنتها بظروفها الصعبة، لأنها الأم التي أرضعتهم الوفاء والصدق والإخلاص، كما أنني أجدد العهد، بأن أكون الإبن المخلص للرأي، والجندي المدافع عنها لأنها تستحق، وشمعة الخمسين من العمر تعطيها لونا جديدا بعيدها الذهبي، فالسنوات بعمر المؤسسات الزاهرة كـالرأي، تختلف عنها بعمر الأشخاص ككاتب هذه السطور، ففي الأولى زيادة تألق وانتاج، بينما في الثانية صرف سنة أخرى من رصيد العمر وجحافل شيب تغزو الرأس. الرأي: لن نخذلك، ونحن الأوفياء على عهدك، وسعداء ببدء سنة جديدة معك من سنوات العطاء، فالقادم لك ولنا وللوطن هو الأجمل والأحلى وسنكمل ما بدأنا، فالعقد بيننا لا تنهيه الأيام والظروف وللحديث بقية.