في ذاكرتنا التي أصيبت بالعطب هنالك ومضات غير وضاءة تستجر جزءا من الفساد الأصغر الذي مثلته شخصيات تقدمت لانتخابات مجالس النواب بعد العام 1992 عن طريق شراء الذمم لمن تبقى من أشخاص يروجون لأنفسهم على أنهم قادة الجمهور، فيقبضون المال ويوزعون منه على تجار الأصوات الصغار، ذلك كان بداية تأسيس الفساد الانتخابي الذي أخذ بالتضخم حتى أزاح كل معايير النزاهة والشرف لحساب قاعدة كم تملك، فتبدلت الجملة المشهورة قديما: «عدّ رجالك وأرد الماء» إلى عدّ أموالك وأرد الماء، وهذا ما كنا نحسبه أن يتجدد في العام 2021 عندما يخالف مج?س النواب قاعدة النزاهة علنا.
عندما تلغي قانونية مجلس النواب المادة 59 من قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد للعام 2020 المتعلقة بتجريم شراء الأصوات في الانتخابات العامة والمرسل من الحكومة، فهذه جريمة بحد ذاتها، فالوعد بالتجريم منصوص عليه قانونيا أينما وجد وتحت أي مسمى، والأصل أن يكون وصول الإنسان السوّي إلى مقعد مجلس النواب تحديدا عن طريق إيمان الناخب بشخصه وفكره والتعويل عليه لإجراء تغيير حقيقي في الحياة السياسية، وغير ذلك فإن كل ذلك ليس سوى تشريع لحواضن الفساد الأكبر.
لقد مر على هذه البلاد الأردنية أسماء وأشخاص لم يكن أحدهم يحلم بأن يقف خطيبا لطلب يد عروس، ولا ينتظر أحدا ليسأله عن رأيه من الأصل، ومع ذلك وفرّ المال لهم طريقا سهلا للوصول الى مجالس نيابية كانوا فيها بين فريقين، فريق يلعب لصالح الحكومات في دوري العطاءات، وفريق يلعب أيضا لصالح الحكومات ولكن على طريقته الإبتزازية الخاصة به وفرض الأمر الواقع على أعضاء الحكومات وتوزيع حقوق المستحقين لصالح ناخبين ينتظرون دورهم الذي لن يأتي.
في دول تحترم نظامها السياسي والزامها القانوني نجد أيضا أن هناك من شبهات الفساد أو ثبوتها تطارد قادة أحزاب ونواباً ومسؤولين على مستوى عال، ولكن الفرق بيننا وبينهم أن هناك آلية سهلة وسريعة وتطفىء غضب الشعب باستخدام القانون فورا ومحاكمة كل من يتورط بالفساد المالي أو السياسي وهناك أمثلة لرؤساء غير عرب بالطبع تم سجنهم أو عزلهم، ليس بنيامين نتيناهو الذي تطارده الكوابيس وحسب بل في أوروبا، كالمانيا وفلندا وايطاليا واسكتلندا وهنغاريا، وغيرها من الدول التي تعيد نصاب الحق سريعا، لأنها تعرف أن رجلا واحدا مهما يكن لا ي?كن مقارنته مع شعب بأكمله.
هنا ورغم الفائض الكبير من المواد القانونية التي تطارد أي شخص يجرم بتهم تتعلق بحرية التعبير والنشر أو النقد البناء وتزفه الى زنزانة السجن، فإن مبنى المجلس العتيد لم يستطع أن يغير الصورة النمطية عما سبق، فألغى مادة تحكي أسطرها قصص مال فاسد وضمير ميت، ودعم مادة تتعلق بما يسمى إغتيال الشخصية احتواه القانون، رغم أن هناك نصوص متعددة في غير قانون تعالج هذه المسألة.
اليوم ونحن نسعى إلى ما لا ندري هو خير لنا أم غير ذلك مما خبأه الله لنا فإن الأصل أن يكون الإنسان نزيها شريفا صادقا، وهذا المأمول بخيرة غالبية الناس، ولكن يجب على مجلس النواب أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الجمهور.