يواصل أركان الإدارة الأميركية، الحديث عن «تفضيلهم» حل الدولتين, وكانوا تحدّثوا قبل وصول الثنائي بايدن/هاريس للبيت الأبيض بشكل بدا لافتاً, إن لجهة النأي الخجول عن خطة ترمب/كوشنر الموصوفة صفقة القرن, أم لِبثّ نوع من الطمأنينة النسبية لدى بعض دول الإقليم بأن نهجاً مختلفاً سيتم تبنّيه لاستنقاذ حول «الدولتين»، دون ان يكشفوا المقاربات والآليات التي تنوي ادارة بايدن اللجوء اليها لِإحياء «عملية السلام» المُتوقفة منذ عقود, رغم «رعاية» الادارات الاميركية المُتعاقبة خصوصاً إدارة أوباما/بايدن دون أن تُسفر عن نتيجة تذكر، مع تبني واشنطن المقولة الإسرائيلية المعروفة بأن «الفلسطينيين» هم المسؤولون على فشل المفاوضات. دونما ذكر لمسؤولية حكام تل ابيب في هذا الشأن, الذين يريدون تكريس الرواية الصهيونية المؤسطرة عن «يهودية الدولة» والايديولوجية الصهيونية التي لا تنتعش إلا بتوجيه اتهامات مُعاداة السامية لكل مَن يتجرّأ انتقاد ارتكابات وجرائم الفاشية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني, وزرع ما تبقّى من أراضٍ محتلة بالمستوطنات, وتهويد القدس المحتلة التي أبقى بايدن على سفارة بلاده فيها كعاصمة «موحدة» للاحتلال.
آخر ما صدر عن أركان إدارة بايدن وما تناقلته أمس وكالات الأنباء ومحطات التلفزة واحتفت به دوائر سياسية وإعلامية عربية, هو ما قاله رئيس الدبلوماسية الأميركية بلينكن في محادثة هاتفية مع نظيره الإسرائيلي اشكنازي, بأن «حل الدولتين هو الطريقة المُثلى لضمان مستقبل إسرائيل كدولة «يهودية ديمقراطية» تعيش بسلام إلى جانب دولة فلسطينية قابلة للحياة».
يتوجّب التوقف عند ما استبطنه هذا الكلام الخطير حمّال الأوجه وكثير الاحتمالات, وبخاصة وصفه إسرائيل كـ«دولة يهودية ديمقراطية» وهو نصّ انبنى عليه قانون «القومية» الذي أقرّه الكنيست الصهيوني في تموز 2018 ,حيث يُؤسِّس لكيان عنصري ليس فقط يطمس على الرواية الفلسطينية لصالح الرواية الصهيونية الفاشية, بل وأيضاً يسلب مُواطنة وحقوق فلسطينيي الداخل الذين يشكلون أكثر من 21% من سكان الكيان الصهيوني. إضافة لمسألة لا تقل أهمية بعد معاودة بلينكن استخدام المصطلح المعسول عن دولة فلسطينية «قابلة للحياة». بمعنى إهالة التراب على قرارات الشرعية الدولية وحقوق الإنسان, وإعفاء الاحتلال من التزام الإنسحاب الى خطوط 4حزيران 1967 واحتفاظه بالقدس وطي صفحة اللاجئين وحق العودة, دون اعتبار لـ«سيادة» الدولة الفلسطينية العتيدة, بافتراض توفر «الجديّة» الأميركية في ملفّات كهذه. ما بالك ان لا حديث عن ادانة أميركية للإستيطان بل استمرار للتحذيرات الفارغة بعدم لجوء «الجانبين» إلى إجراءات أُحادية الجانب. في «مساواة» خبيثة بين الضحية والجلاَّد, ولم يبق سوى الطلب من الفلسطينيين الاعتراف بالحركة الصهيونية...كـ«حركة تحرّر وطني لليهود» لنفي تُهمة اللاسامِية عن أنفسهم. بعد اعترافهم بإسرائيل في اتفاق «اوسلو» الكارثي.
في الخلاصة... ليس ثمة ما يشي بأن إدارة بايدن تضع «الصراع» الفلسطيني/الإسرائيلي ضمن أولوياتها, ولا نحسب أنها بصدد الدخول بزخم في تفاصيله, وستكتفي بإطلاق المزيد من التصريحات الفاقدة القيمة, في الوقت الذي ستلتزم فيه بـ«مُعارَضة الإجراءات غير العادلة ضد إسرائيل في الساحة مُتعددة الأطراف».. كما قال بلينكن لأشكنازي يوم أمس.