في عام ١٩٥٢، صدر الدستور الأردني بروح جديدة ميزته عن الكثير من دساتير الأمة في ذلك الوقت، وقد جاء بعد تأسيس الإمارة بحوالي ثلاثين عاما.
وبعدها بحوالي الأربعين عاما، صدر الميثاق الوطني الأردني ليؤسس لحياة سياسية قائمة على التعددية بعيداً عن الحزب الواحد أو أحزاب الرجل الواحد، ويشير التاريخ إلى أن استحقاق ذلك التحول كان قد حان قبلها بعشرة أعوام لولا الحروب العربية مع الكيان الصهيوني والأحداث الداخلية المؤسفة في المملكة وما استتبعهما من مخاوف وتحوّطات طبيعية أرجأت المشروع الثلاثيني.
اليوم، وبعد ثلاثين عاما من ذلك التحول، نشهد كذلك ثورة هاشمية بيضاء عنوانها العريض الانطلاق نحو المزيد من السياسة، والكثير من التعددية، وصيانة إدارة الدولة على المستويات السُّلطوية كافة على أسسٍ عصريّة.
ولا يرد القول إنّنا في مرحلة انتقالية أو أننا بصدد تحول هذه المرة، فسِدة الحكم لم تغادر مربع التحفيز والتوجيه بغية إنعاش الروح السياسية، إنما تتدخل اليوم بما ينسجم مع منطلقاتها التاريخية ورسالتها العريقة، لتعيد ترسيم الحدود وتشدد على سعة مظلّتها ضمن الأطر الدستورية.
ما يعنينا اليوم أكثر مما مضى، أن ندرك بأن موجبات التغيير الرسمية بلغت أوجها، وأن باقي المسيرة مرهون بالنيّة الحقيقية للتغيير، وهما دور الجمهور الذي عليه وأن لا يستسلم كونه جمهوراً فقط، بل هو اللاعب الرئيسي في قادم الأيام، فاليد الواحدة لا تصفّق.
فكلفة الإصلاح عالية، وموانعه متعددة، والساحة بصورتها الحالية مشغولة من قوى ورموز تقليدية ستدافع عن مكتسباتها بكل ما تملك، وهذا ما لا يملكه الجمهور المجرّد من تلك الأدوات، إنما هو يملك ما لا يملكه غيره (الصوت)، فالساحة السياسية، كأي ساحة، تُقتسم بين المتواجدين على أرضيتها، ويحتكرونها اليوم بعد الآخر كلّما زاد استحكامهم بزواياها في غيبة البقية، حتى أضحى الحال أشبه بمباراة رياضية؛ قليل من اللاعبين في مواقعهم وكثير من الجماهير المتفرجة في أماكنها!
لقد سال الكثير من الحبر في سبيل الوصول لهذه المرحلة، وها نحن على أعتاب مئوية جديدة تستدعي الخروج على كلاسيكيات الإدارة المفرطة في بيروقراطيتها وحساسيتها، وذلك أيضاً دور الجمهور.
اليوم، نستقبل القادم بروح جديدة، عمادها الكثير من التخطيط قبل الانطلاق، ومفاضلة الرّؤى بعد جمعها وتمحيصها، فالبناء على ما سبق يحتاج محركات تختلف عن تلك المستعملة، وهذا كذلك دور الجمهور، صاحب الصوت الذي لن يسمعه أحد إذا لم ينطق به صاحبه، ولن يجد من ينطق عنه بما يرغب هو بل بما يرغب الآخر.
فلا يستعجلنّ أحد النتائج، إذ نوشك الآن على زرع جديد قبل حصاده والتنعّم بنتاجه، وهنا نقطة التحضير قبل الانطلاق، وربما أنها الأهم.
حفظ الله الأردن قيادة وشعباً..