لا انوي ان اضيف بكائية اخرى الى الكثير من تلك التي دبجها أصحابها في وداع عزيزين رحلوا اذ بالغوا في التفجع عليهم حد النفاق فأساءوا لجلال الحزن الصادق، وفقيدنا الفنان الكبير مهنا الدرة كان يمقت النفاق ويستخدم مع المسؤولين ما يعرف بالمدح في موضع الذم الذي لا يفطن له إلا الأذكياء، وكان يسعى لإدخال البهجة إلى القلوب المنهَكة بمصاعب الحياة فيسكب مزيداً من الضوء بين ظلال لوحاته الرائعة.
أبوه وأبي جمعتهما صداقة (الموظفين في الأرض!) خارج العاصمة، الاول معلّم التاريخ القدير ومدير المدرسة الصارم والثاني مدير المالية الامين على كل قرش في الخزينة.. كان مهنا يصغرني بست سنوات لكن علاقتي به توطدت حين التقيته بالصدفة عام ١٩٥٩وانا أقضي مع زوجتي اياماً من شهر العسل في روما إذ كان طالباً في السنة النهائية بكلية الفنون الجميلة، وقد تعرّفنا على شخصيته الجذابة وهو يغوص بنا في اعماق المدينة التاريخية لنستمتع كما لم نستمتع بزياراتها من بعد قط.
إثر عودته للوطن وقد اتقن ايضاً لغتين اجنبيتين هما الايطالية والإنجليزية، اشتُهر خلال وقت قصير بثقافة رفيعة تجاوزت حدود مهنته كرسام تشكيلي وتوسعت بذلك دائرة معارفه واصدقائه والمعجبين به وبفنه من الجنسين وبينهم عدد كبير من اعضاء السلك الدبلوماسي يلتقي بهم في مرسمه في وسط البلد الذي كنت أتردد عليه، وكان بينهم ذات يوم عمر الشريف وبيتر اوتول نجما فيلم لورنس العرب وكان يُصور في الاردن. آنذاك قبل ستين عاماً اهداني لوحة مازالت بهيةً مشرقة بلونه المفضل الازرق تحتل موقعها الجدير بجمالها ومحبتنا لمبدعنا.
في أواخر الستينات وبعد ان انتقلتْ النقابات المهنية الى مبناها الجديد(المجمَّع) رغب إليَّ مجلس النقباء الاتصال بصديقي مهنا لعله يتحف القاعة الكبرى بلوحة مناسبة فلم يتردد بالقبول وبدأ عمله في جدارية عمان التي استغرقته شهوراً طويلة من الجهد والسهر المضني ًكأول جدارية من نوعها وبمساحتها في الاردن،بفُرشاة فنان اردني،وقد قوبلت باستحسان بالغ وظلت للنقابات مبعث فخر واعتزاز خصوصاً وهي تستقبل اعداداً كبيرة من عشاق الفنون الحديثة للتملّي بسحرها، وقد قيل ان المطربة الإيرانية العظيمة غوغوش عندما دعيت لاحياء حفل في عمان?اختارت مجمع النقابات لتغني في ظل جداريته التي اعجبت بها أيما إعجاب، اما الجانب المؤسف من قصة هذا العمل الفني الكبير فهو نهايتها المخزية بقرار جاهل اتخذته ادارات لاحقة للنقابات لا تعترف بقيمة الفن ولا تتذوقه أصلاً وقامت بطمس الجدارية تماما..بحجة الصيانة وتحديث الديكور ! وحين اقام مهنا قبل عامين معرضه التذكاري (وكأنه كان يحس بانه الاخير!) في المتحف الوطني للفنون الجميلة في منتزه اللويبدة وضم في طوابقه الثلاثة مئاتٍ من اعماله، افتقدتُ بصمتٍ جدارية عمان!
وبعد.. لقد خلّف مهنا الدرة لوطنه والانسانية إرثاً فنياً كبيراً وفي قلوب الاردنيين حباً لا ينضب..