الاحتفال السنوي بيوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين كان وليد مبادرة من جلالة الملك عبدالله الثاني، فكان تحديد يوم الخامس عشر من شهر شباط من كل عام، يوم وفاء للنخبة من أبناء الوطن الذين انتسبوا للمؤسسة العسكرية ونذروا حياتهم ثمنا للدفاع عن حدود الوطن وأمنه واستقلاله، يكبرون به ويكبر بهم، فمن ينتسب للمؤسسة العسكرية بكافة أذرعها وقطاعاتها، يدرك جيدا انه اختار طريق التضحية والشهادة لأنه مشروع شهيد، افتداء لبقاء راية الوطن مرفوعة؛ نتفيأ عليل هوائه، ونشرب نقي مائه، نأكل عطاء أرضه، لنحافظ عليه بسياج من القلوب والأفئدة.
إنه درس وعبرة بالوفاء لهذه الفئة لتكون أنموذجاً، فلولا هؤلاء الذين صرفوا سنوات عمرهم اليافعة وعطائهم الزاخر، لحُرِمْنا جميعا من حدود آمنة وبيئة محلية صافية، تغذيها وتربطها المحبة والتعاون والتسابق على البناء، ومبادرة عميد آل البيت، ملك الانجازات بواحد من محطات التاريخ الحديث بمسيرة الأردن الطويلة؛ الدولة والشعب، تحديد يوم مميز، يوم وفاء للمتقاعدين العسكريين، بكل المعاني التي تطربنا جميعا بسمفونية التلاحم الملائكي لمن قدموا وخدموا واستراحوا، تمهيداً لنقل الراية لجيل جديد متجدد، رفع المبادئ وأقسم على التطبيق، والتقاعد هو مرحلة عمرية بعد العطاء، ولا يعني أبدا انتقال المتقاعدين لساحة النسيان، بل هذا اليوم يؤكد أن هؤلاء وصحبهم هم في فكر القائد المنجز، وعلاقتهم بالنظام والوطن ليست مرحلية مرتبطة بعمل وأداء محسوم، بل علاقة أبدية لا تنتهي فصولها، وتكريمهم بأي شكل وتقديرهم بأي وسيلة هو تكريم للوطن، ويبعث برسالة نقشت حروفها بنطق ملكي على عهد الوفاء، لحن هو الأجمل بصفاء يطربنا، فلولاهم، لما سكن الليل بأمان واعتلى البنيان بثقة، ولولاهم لكان الوطن مطمعا ومستباحا، ولولاهم لما جلسنا في المقاعد الاولى بين العظام، فهم الذين نسجوا القوة والأمان.
إن تجارب الماضي البعيد والقريب، هي دروس وامتحان لقدرة الأردن على التحدي وتجاوز الصعوبات بهمة نشامى المؤسسة العسكرية، مصنع الرجال ومنبت التضحية، وسام يتصدر الجبين لكل منا، ويقيني أن تجربتنا الاخيرة في سنوات التحدي بالربيع العربي هي البرهان، فالإقليم التهب من حولنا والتهم أصحابه، وبقينا المحجَّ للشعوب التي نزحت والمأوى للشعوب التي لجأت الينا كأرض سلام هاشمية، يحميها أفراد مؤسسة عسكرية رضعت الولاء من صدر الوطن، بدعم غير محدود من قائد هاشمي متابع، بخلفية عسكرية، يستنبط ويخطط ويبادر ويقف على مساحة واحدة من جميع أبناء شعبه.
المؤسسة العسكرية قد أقسمت بالمحافظة على الأمن الداخلي استكمالا للأمن الخارجي فكانت بالمرصاد لخلايا الشر والعبث الموجه عبر مرتزقة، ابتعثتهم قوى الاستعمار لإعادة أمجاد اندثرت وتبخرت على صخرة الصمود والوحدة، فالانتماء للمؤسسة العسكرية وسام شرف وأمنية لكل منا، والتاج الملكي يزين الهامات، فيعطي الفرصة للمنتسبين لبذل جزء من الرد لجميل الوطن، ورأس هرم المؤسسة العسكرية؛ الحريص والمتابع لحال أفرادها، رفاق السلاح، وقد كان على الدوام المستجيب لاستغاثة، والمبادر بدعم هذه النخبة أثناء تواجدهم على رأس عملهم، ويكمل تكريمهم بعد تقاعدهم، ويقدم الدعم لعائلات من ارتقوا للرفيق الأعلى عرفانا بدور هؤلاء في صناعة وطن قوي، وقد كان لكاتب هذه السطور شرف الانتساب لهذه المؤسسة في مرحلة عمرية سابقة.
إن الاحتفال هذا العام بيوم المتقاعدين العسكريين يأخذ شكلا مختلفا، لانه احتفال ضمن فعاليات الدولة الأردنية بمئويتها الأولى، التي كان للمؤسسة العسكرية النصيب الأكبر بتطورها، واقع سيحمل لهم معاني متجددة، من الدعم والتكريم والعطاء، فتحية خالصة لكل فرد من أفراد مؤسساتنا العسكرية، العاملون منهم والمتقاعدون، وجهود مباركة لمن يبذلون الجهد الان، فنحن بأمس الحاجة لنبادلهم الحب اعترافا وتكاملا، فالوفاء لهذه الفئة الوطنية لا يقتصر على اليوم لانهم يستحقون ذلك كل يوم، ولكن اليوم الخامس عشر من شباط مميز كرمز للاحتفال بشكل مختلف، وأختم القول إنني لست بقارئ لحظوظ المستقبل، لكنني أجتهد بان احتفالنا هذا العام لهؤلاء الفئة مختلف وللحديث بقية..