تضمنت المقابلة الملكية مع وكالة الأنباء الأردنية محاور قيود الخوف من المستقبل والتي تشكل الهاجس الدائم والحاجز القائم أمام شعب عظيم لا يعرف المستحيل، فهناك ضبابية تلتحف المحتوى للعديد من الملفات المصيرية، وهناك اجتهاد بالتفكير والتفسير، فجاء التوضيح الملكي محللاً ومشخصا ومعالجا، ليتبعه صدور التوجيهات للسلطات والمؤسسات، بضرورة التنسيق لوضع الأسس التي تساعد على دخول الأردن لمئويته الثانية بمنطق إكمال المنجز، ضمن التحديات التي تعصف بالأحلام؛ الداخلية منها والخارجية، فالعالم اليوم مختلف، وهناك اعادة نظر بسلوك ?لدول والتجمعات بإنعدام الثقة وسيطرة تجمع الأنانية، فالظروف استثنائية، تحتضن على أرض الواقع تحولات إقليمية ودولية، وربما في جزئية منها اختبارا لقدرة الدول على مواجهة الوباء العالمي، فهناك اخفاق غير متوقع للبعض، ونجاح مستحق للدولة الأردنية التي تدشن مئويتها الثانية بالدرجة الكاملة.
يراهن جلالته على قدرتنا بتجاوز الصعوبات، وتحويل التحديات لفرص، نتيجة منطقية مبنية على تحليل السلوك والعطاء والمواقف والاستجابة لشعبه العظيم، فهناك زاوية لنظرة تفاؤلية وواقعية من مساحة التخطيط المستقبلي، تعتمد على الايمان العميق بعزيمة الوطن ممثلا بسكانه، ووعيهم لضرورة الحفاظ على مقومات الأردن القوي المستقر، تتفاعل مع الجهود الإقليمية والدولية لمعالجة الملفات المؤثرة، فنكون السند والمساند، ونستثمر مكانتنا بما يخدم واقعنا لترجمة طوحاتنا، فهناك فرصة ذهبية لرسم خريطة طريق مستقبلية لأردننا الحبيب، إذا عالجنا ال?لفات الداخلية المهمة بالاستماع للنصيحة الملكية وتطبيقها على أرض الواقع بمسمياتها؛ ضرورة مستعجلة لدراسة القوانين الناظمة لأداء السلطة التنفيذية والتشريعية وأسس تنظم العلاقة بينهما، ليصبح الأداء تكامليا وليس تنافسيا بأبعاد التحدي والرصد واقتناص الثغرات، فبعد مواسم النزف في الثقة التي سيطرت على علاقة المؤسستين مع المواطنين، لا بد لوقف الخسارة وإعادة جدولة الأولويات والاعتراف بالتقصير، تمهيدا للتصحيح المبني على الأداء الواقعي، فحب الوطن والانتماء للبناء ليس محورا خلافيا، ولا يحتاج لرسم الخطط أو النصيحة لأنه سل?ك عفوي جيني، ولكن الإحباط بانعدام العدالة وتفاوت الفرص وزيادة المسافة الطبقية، ساعدت بتشكيل نواة تشكك بالسلوك الحكومي والنيابي.
يجب توأمة ملف الإصلاح الإداري مع الملف المخصص لمعالجة السلطات، فهذا الملف يحتاج لدراسة متأنية لأبعاده ومحتواه، خصوصا في ضوء تشخيص العديد من الاعتلالات التي أوهنت البنيان، ويضاف اليها استخدام السلطات وتفسيرها للعديد من الصلاحيات كوسائل تهديد أو قيود على الاجتهاد، وربما احتلال العديد من الممارسات السلبية لنسبة مقدرة من مساحة العمل قد ضمنت تقييد فرص الاجتهاد وتحجيمها برسم السجن والطرد، وأهمها حديث صالونات السياسة بمثاليتها عن الواسطة والمحسوبية، فتتبع تطور شجرة العطاء ومراحل نموها للأفراد كفيل بتوضيح محطات ال?نجاز المؤثرة، على أن يسبق ذلك اتفاق على تعريف المطلحات بشكلها العمومي، بدون فقرات التبرير التي شكلت المرض المزمن الذي نخر وأوهن البناء، فما نشاهده الآن من فهم وتطبيق بعض المسؤولين لصلاحيات مراكزهم بحصر التعيين في القيادات بمعارفهم لبناء سور حصين حول أدائهم بتشابك أيدي المنافقين، يمثل أنموذجا متناميا وتحديا للبدء بالإصلاح الإداري، فالتجاوز تحت مسمى المقتضيات قد اصبح شعارا مكشوفا يحبط الكثيرين بسبب اتساع قاعدته، وعلينا أن نبدأ بالانتقال من مرحلة الشكوى إلى التشخيص والعلاج، والوعي بأن مدونات السلوك لدى الحكوم? ومجلسي الأعيان والنواب، توفر الإطار العام لوضع أسس معلنة للعمل، لكنها لن تكون فاعلة بلا آليات رقابة وتنفيذ ومحاسبة، وتعميم هذه التجربة على مختلف أجهزة ومؤسسات الدولة، واقع يجمد الطموح وللحديث بقية.