كانت الهند في أواسط القرن الماضي تملأ الدنيا بأخبار نضالها ضد الاستعمار البريطاني وكانت شعوب المستعمرات الاخرى في آسيا وأفريقيا وفي مقدمتها شعب مصر تتطلع للاستقلال مبهورة بالنموذج الهندي ممثلاً بحزب المؤتمر وقائده التاريخي جواهر لال نهرو وعلى هدي فلسفة الكفاح السلمي للزعيم الروحي غاندي، وفي عام ١٩٤٧ اعترفت بريطانيا باستقلالها لكن الفرحة لم تكتمل إذ شابها الحزن بتقسيم طائفي مقيت أدى إلى استقلال (!) المسلمين فيها عن وطنهم وكانت تلك خيانة لم تغتفر لمدبّريها مع الانجليز!
لكن ولحكمة بعض قادة العرب المسلمين في ذلك الزمان بقيت العلاقات معها جيدة ومتينة، ويتذكر العرب بالبهجة والاعتزاز صداقة عبد الناصر ونهرو في مؤتمر باندونج وحركة عدم الانحياز، ثم لا ينسون قط مواقف الهند المؤيدة للقضية الفلسطينية التي استمرت لأواخر سبعينات القرن الماضي رغم سعي إسرائيل المستمر لإفسادها بالتواطؤ مع أميركا حتى أنى كتبت في (الشعب) ٢/٤/١٩٧٧: (أيها المسؤولون العرب، عيونكم على الهند بعد انديرا غاندي، فقد عادت ديدان إسرائيل تتحرك من جديد في جسد الفيل العظيم!).
نرحل في الزمن الهندي لأكثر من ثلاثة عقود من الحكم الوطني المتوازن لنفجع بوصول حزب جاناتا اليميني المتشدد إلى الحكم بقيادة نارندا مودي فتزداد علاقات الهند عمقاً مع إسرائيل وتتوطد السياسات المشتركة مع الرئيس السابق ترمب، وقد أمعنت حكومة مودي في الاعتداء على منجزات العدالة الاجتماعية التي حققها الشعب الهندي منذ الاستقلال إلى حد أنها تقدمت مؤخراً إلى البرلمان بثلاثة قوانين تمس حياة مئات الملايين من المزارعين، واحتجاجاً على ذلك قرر العديد من اتحاداتهم..
القيام بمسيرة مليونية ضخمة في العاصمة في السادس والعشرين من كانون الثاني الماضي وهو العيد الثاني والسبعون لتأسيس الجمهورية، وذلك باستعراض 100,000 تراكتور زراعي تحمل المشاركين والعلم الوطني، وحتى لا يحدث احتكاك بالاحتفال الرسمي بهذه المناسبة قرر قادتها تنظيمها بعيدة عنه ب10 كيلومترات، والتشديد على سلميتها في المطالبة بسحب القوانين الثلاثة الهادفة لتقليص دور القطاع العام في الزراعة لصالح استثمارات القطاع الخاص، ما يترك المزارعين تحت رحمة الشركات الزراعية التجارية الكبرى والبنوك المقرضة وهم يعرفون جيداً أن ?تائج مثل هذه السياسة التي جرى تطبيقها في بعض الولايات كانت وخيمة إذ أدت إلى عدد كبير من الأفلسات وتفاقمت معها حالات الانتحار لدرجة مفزعة، وقد عُرف فيما بعد أن المسيرة اصطدمت مع قوات الأمن وتعطلت المواصلات في العاصمة دلهي فعطلت الحكومة الإنترنت وأصدرت أوامر بمنع المسيرة التالية إلى البرلمان، لكن المزارعين مازالوا مصرين على موقفهم حتى تتحقق مطالبهم، ويقول قيادي في المسيرة أن المزارعين الذين ينتجون الغذاء لا يملكون شراءه لطعامهم!
وبعد.. نحن لا ننسى الهند الصديقة وتاريخها العريق ذا الثقافات والفلسفات التي أغنت المعرفة البشرية لآلاف من السنين خلت، ونؤمن بأن شعبها الذي خاض حتى الآن تجربته الديموقراطية بنجاح، قادر على الانتصار على اليمين.. المقترب من الفاشية!