كتاب

شبكة تجارة الأبحاث العلمية

ربما لا يوجد شعب في العالم مغرم بالحصول على الشهادات الجامعية العليا كما هو حال الشعب الأردني المناضل، ويسجل للآباء والأجداد في فترة الستينيات والسبعينيات أنهم حفروا في الصخر وضحوا بما ادخروه من أجل تعليم أولادهم في الدول العربية المجاورة وفي دول أوروبا الشرقية آنذاك والغربية أيضاً. وليس الذي نراه اليوم من تقدم علمي وبالذات في المجال الطبي والصحي والهندسي والقانوني إلا ثمرة لتلك الفترة من سنوات الجمر، كما لا ننكر دور الجامعة الأم (الجامعة الأردنية) وفيما بعد الجامعات الرسمية الأخرى التي أسهمت في رفع سوية ا?خريجين الأردنيين، بحيث تعادلوا أو تميزوا مع أقرانهم من خريجي الجامعات العربية العريقة، وبقي هذا الأمر كذلك حتى بداية التسعينات، عندما انتشرت الجامعات الخاصة وبدأنا نستقبل الطلبة من الدول الأخرى وبالذات دول الخليج العربي، وبدأ التركيز على الدراسات العليا في المواد الانسانية، واستشرت الرغبة العارمة بالحصول على الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) وبغض النظر عن الحاجة إليها، فما الذي يدعو مأمور الحركة في وزارة ما لدراسة الماجستير في الفقه الاسلامي؟! وما الذي يدعو متقاعداً في الستين من عمره للحصول على الدكتو?اه من اليمن او جيبوتي او جزر الواق واق؟! من المؤكد أن حملة الدكتوراه في الأردن يزيدون عن حملة الدكتوراه في كندا نسبةً وتناسباً مع عدد السكان، ومع ذلك لا نجد لدينا ذلك التقدم العلمي والثقافي الموجود في كندا!!

أصبح الحصول على الدرجات العليا تقليداً اجتماعياً لا يقصد به الرغبة بالغوص في البحث العلمي والنظريات العلمية ومحاولة تطويرها والوصول الى اختراعات واكتشافات توظف لتحسين مستوى الاقتصاد والإدارة والحياة بشكل عام، بل الهدف منها فقط المباهاة بألقاب الماجستير والدكتوراه وتحسين الوضع الوظيفي، ما دام أن الحصول عليها متوفر دون عناء، فما على الراغب بذلك إلا التسجيل بجامعة من الجامعات الأربع والعشرين المنتشرة في عرض البلاد وطولها، أما مسألة البحث العلمي فلا وقت لها، وما على كثيرٍ من طلبة الدراسات العليا وبالذات الوافد?ن إلا أن يرتادوا أحد المكاتب المنتشرة حول الجامعة الأردنية، التي تبيع هذه الرسائل مكتوبة ومنسقة حول الموضوع المطلوب الكتابة عنه، وليس على الطالب إلا أن يسلمهم العنوان والإهداء والحضور من ثم لعمل البروفة الأخيرة قبل المناقشة، التي تكون عادةً محسومة سلفاً بالنجاح بمجرد دخول أطباق الحلوى والعصير وحضور الأهل والأصدقاء.

استفحل الأمر ولم يعد يقتصر على الحصول على الشهادات العليا بهذه الطريقة، بل أوغل السقوط الأخلاقي لعددٍ من راغبي نشر الأبحاث لغايات الترفيع الجامعي، وأصبح أمر شراء الأبحاث أو سرقتها أمراً شائعاً، وساهمت هذه المكاتب المشبوهة بهذا الأمر، وبرأيي فإن بعض المجلات المحكمة المعتمدة لنشر الأبحاث قد ساهمت أيضاً بذلك، فعندما تطلب مجلة ارسال مبلغ من المال من الباحث لقاء نشر بحثه العلمي، فإن هدف المجلة السامي والمفترض به أن يعمم ما تجود به قرائح وجهود الباحثين وتوثيقها والاعتماد عليها في الإسهام بالبحث العلمي الانساني، ?تحول الى وسيلة للتربح وتجارة النشر.

آن الأوان لوزارة التعليم العالي التي نعول على وزيرها الأكاديمي المعروف ولدائرة مكافحة الفساد التي أبلت بلاءً حسناً باستعادة ما يزيد عن مئة وخمسين مليون دينار الى الخزينة العامة، أن تتوجه الى هذا المنعطف الخطير المتعلق بفضائح البحث العلمي لوضع حدٍ لهذا الإسفاف العلمي والسقوط الأخلاقي وتقليل مصداقية الشهادات الممنوحة من الجامعات الأردنية التي شوهتها مكاتب الخدمات الجامعية وبعض الجامعات المتواطئة التي تغمض العين عن هزالة الأبحاث العلمية وعدم إدراك مقدمها لمحتواها، وتخريجه من ثم طمعاً بالأقساط وزيادة عدد الطلب? المسجلين، حتى نتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سُمعة ومصداقية، كانت الجامعات الأردنية تستأثر بها على مستوى المنطقة.