إذا كان البعض يظنّ أنّ ما حصل قبل مائة عام من تأسيس الدولة الاردنية كان بسبب ظروف آنية وأسباب تتعلّق بالمرحلة؛ فإنّه يكون على خطأ عظيم، لأنّ ما حصل ؛ إنّما يؤكّد أيضا حقيقة وجود هذه الروح الوطنية لدى الاردنيين، التي ما تزال تسري في عروقنا، والتي تبرز هذه الأيام عبر العديد من المواقف وعبر تجاوز العديد من الصعاب والتحديات الجسام.
ولعلّ سلسلة الانجازات التي تربض في كل مكان اردني؛ إنّما هي ضمن تلك الروح التي تسري في النفوس، وكان أبرزها ما ورث لنا ، شيئا يفتخر به ؛ والمقام لا يتسع للحديث والمقارنة بين الدول: إنّها المواقف التي تبرز الفارق بين منهج القيادة العظيمة للهاشمين وبين أولئك الذين يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض باسم الشعب والحرية وباسم المحبّة والسلام . ولعلّنا نستهلّ ببعض ما قاله بعض المؤرّخين من أهل الارض عن ذلك الفارق بين الاردن وغيره من الدول.
ما من شكّ أنّ للتعبئة بالمجالات كافة التي يقف على رأسها جلالة الملك عبد الله الثاني ، والدور البارز الذي لعبه الملك الراحل الملك الحسين رحمه الله ومن سبقه من ال هاشم واحرار الوطن والامة . كل هذه الشخصيات خلقت حالة وسلوكاً اردنيا تُرجم عبر سلاسل العطاء والانتماء والولاء للاردن والتي تقع بكل الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية وغيرها وهي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا.
وما تزال القدس والاقصى الهم الاكبر لدى الهاشميين، لم يتوانوا يوما في الدفاع عنها بكل الوسائل والطرق؛ ايمانا منهم بعودة القدس إلى حضن الأمّة الإسلامية والعربية، ورغم مرور 88 سنة من الاحتلال، كانت هذه المرة الأولى التي يضعف فيها الحضور الإسلامي في القدس وسيادته عليها.
وأعلم أن من الناس من يسخط ويتذمر بسبب الظروف الحانقة؛ أقول لهؤلاء، إن رضاهم وسخطهم لن يغير من حقيقة هذه الحقبة التاريخية المشرفة للدولة، التي لا تعرف إلا بهذا التعريف (مملكة النشامى) والنخوة والفزعة والرجال والاحرار : بلد اجدادنا وابائنا - حتى عند كل المؤرخين الغربيين والعرب –معروف ما تلك البطولات والصولات والجولات وما ذلك إلا غيص من فيض.
ويكاد دور الهاشمين في الدفاع عن قضايا الامة العربية والاسلامية وتحرير القدس، تكون معروفة لجميع المسلمين والعرب والعالم، لكن ما يغيب عن معظمهم هو بالأساس ان مئوية اليوم يثبت انتصار الاردن على التحديات التاريخية التي واجهته والعقبات التي تخطتها المملكة ليصل إلى سلم الدولة الأكثر رقياً بشعبها.
وتطلعنا المئوية على أهم الإنجازات التي حققتها المملكة خلال مائة عام ، وفرت فيها المجال الأوسع للعمل في الابتكار والابداع ، ولم تتوقف المسيرة أبداً في تطور العلم والمعرفة للايمان الملك بان العلم سبيل الشعوب للتقدم ، وقد اعتزمت الدولة الإضافات الأكثر تميزاً حول العالم ، وقد أثبت جدارتها في ذلك.
وتأتي تلك الإنجازات والمكاسب ترجمة لتوجهات القيادة الاردنية في تحقيق سبل الرخاء للانسان الاردني وبناء مستقبل متين على خطى ثابتة وتوجهات مقصودة.
وللأسف: وعلى جميع المستويات : الحكومات والنواب والاعلام والمثقفين والجامعات والأكاديميين والتاريخ لم يستثمر الاردن بحجم قدراته السياسية، إذ ما يزال هناك قصور ملحوظ في بناء الصورة الحقيقة الأردنية للمجتمع والدولة ، بالرغم من أنّنا نتحدث عن مرحلة سياسية بلغت المائة عام !
ورغم محاولات بعض المثقفين والمؤرخين كتابة التاريخ وتأصيله، لكنّنا لم نمنح تاريخنا السياسي حقه بحيث بقيت تلك محاولات فردية ومحدودة، دون عرض المشهد امام الناس بكل تفاصيله وحيثياته وحقائقه، ولا اجامل فان صورتنا وارشيفنا يحتاج اكثر توضيحا واهتماما لدى الرأي العام المحلي قبل العربي والعالمي.