يشقّ على البعض التمييز بين أسباب غياب دور الأردن عند تسوية النزاعات العربية العربية، فهناك من يعتقد أنه تحييد بينما يدرك العارفون بأنه حياد إيجابيّ، إراديٌّ بالكامل.
فالمنطقة اليوم ليست منطقة الأمس، حيث لدينا أنظمة جديدة وأُخرى توشك على التجديد وطائفة ثالثة ما زالت السُّلطة فيها محلّ نزاع، وتلك أبرز الإشارات على عدم الإستقرار الذي يسكن الإقليم ويزيد من حسابات الإصطفاف تعقيداً.
فالدور الأردني كان الحاضر الأبرز في معظم التسويات داخل بيئتنا العربية حينما كانت المصالحات حقيقية غير مبنية على المجهول وكان المحيط أكثر وضوحاً وثباتاً في مواقفه وغاياته، ولفهم المعادلة أكثر سنشير إلى المعطيات المؤدّية إمّا إلى التدخّل أو الإنكفاء.
وأول عناصر توجيه البوصلة الأردنيّة هو المصلحة الأردنية العليا، فإذا كانت نتائجها معلومة مضمونة متفقة مع ثوابت الدولة يكون الإصطفاف، وثاني تلك العناصر هو الآثار المستقبلية للموقف والذي يتقرّر الإلتزام به عند مأمونيتها أو الإبتعاد عنه لدى خشية تأثيرها على المصالح الوطنية والصورة العامة الدولية للدولة المتّسمة بالوسطيّة والإعتدال على مدى قرنٍ من الزّمان.
فأسس التدخل مرهونة بما ذكرنا وبمقدور أيّ منّا أن يفترض السيناريوهات المعاكسة لأي موقف اتخذناه ويقارن بين نتائجه بعد طيّ صفحة الخلاف أو التوتّر، ما كان فعلاً وما سيكون.
ومن أراد أن يمسك بخيوط السياسة الخارجية الأردنية وفكّ شيفرتها فعليه وأن يطالعها كوحدة واحدة غير مجتزأة، فتلك المواقف ليست بالعبثيّة أو الآنيّة ولا تدار بالقطعة، بل هي خطوط متوازية ينطلق كل منها نحو الهدف بما يصبّ في نهاية المطاف بخانة المصلحة، لتظهر عندها السياسة الخارجية إمّا بمواقف سلبيّة أو إيجابيّة أو مختلطة بين الاثنين على قاعدة "لا إفراط ولا تفريط".
إن عمر السياسة الأردنية سابق على نشأة الدولة، وهي سياسة توازنات تُحفظ فيها خطوط الرجوع، وما الاستقرار المتحقق إلّا نتيجة طبيعيّة لدراسات متعمقة حذرة توخّت الصالح العامّ في حركتها وسكونها.
لا شكّ بأنّنا جميعاً نتمنى للأردن أن يبقى ساحة المصالحات ورأب الصّدع العربيّ، لكنّ أسس وأسانيد الخلافات هي المعيار في إقحام الأردن ذاته في الأزمات أو النّأي بنفسه عنها، ضمن نظرة مستقبلية بعيدة المدى.
حمى الله الأردن قيادة وشعبا