وسط احتفالية شعبية بفتح ملف «العطارات»، وتفاؤل باعتبار تلك الخطوة مؤشرا على إرادة حقيقية بعدم السكوت على ما لحق بالمالية العامة، وبحق المواطن من غبن تراكمي، يثير بعض المختصين تخوفات من احتمالية أن تنتهي العملية بغبن أكبر.
أصحاب تلك التخوفات يستندون إلى وجهات نظر متخصصة، وإلى نصوص قانونية، وسوابق لا أرى أن من المناسب الدخول بها تفصيلا في هذه المرحلة، حفاظا على منسوب التفاؤل بأن تحكم الغرفة المختصة لصالح الحكومة، وأن يشجع ذلك بفتح اتفاقات أخرى أكثر غبنا للنقاش والتحكيم.
خطورة تلك التخوفات النخبوية، تبلغ ذروتها عند نقطة تتمثل باحتمالية الحكم بعدم وجود غبن، أو عدم توافر الشروط المحددة للغبن، وهذا يعني تثبيت العقد والإقرار بقانونيته. وفي ذلك تضييق لأية هوامش أمام الحكومة للتحرك.
وكنتيجة، سيكون المواطن ـ المستهلك ـ ملزماً بدفع فروق الأسعار، وشراء التيار بأسعار تصل إلى ضعف السعر الحقيقي. أو أن تتحمل المالية العامة الفارق الذي يزيد عن مئتي مليون دولار سنويا، ولمدة تصل إلى ثلاثين عاماً.
تلك المبالغ تضاف إلى الفروقات التي يتحملها نتيجة لاتفاقات مع شركات عدة أبرمت في حقبة سابقة، لصالح متنفذين يمتلكون أو يديرون شركات خضعت للخصخصة، فبيعت بـ«تراب المصاري»، وباعت إنتاجها بضعف السعر المناسب.
تلك الحقائق، وما تستند اليه من تخوفات، لا تقلل من أهمية الخطوة الحكومية، ولا تلغي الاعتراف بضيق الهوامش أمامها. لكنها تعيد الخشية من إعادة إنتاج مسلسلات كانت نتائجها عكسية. وأفضت إلى نوع من الندم على ما حدث.
في هذا السياق، يمكن استذكار محطات برلمانية سابقة، تمثلت بتحرك إحدى أو بعض الكتل من أجل طرح الثقة بالحكومة. فكانت النتيجة أن حازت حكومات من تلك التي عانينا من إجراءاتها وممارساتها على ثقة جديدة. وحازت بعضها على «ثقات تاريخية» أثارت جدلاً واسعاً في حينه، ودفعنا وما زلنا ندفع ثمنا لذلك.
هنا، ورغم كل التخوفات التي يبديها قانونيون من احتمالية الوصول إلى نتائج غير مرضية، نتمسك بالأمل ـ مهما كان بسيطا. لكننا في الوقت نفسه نرى ضرورة أن تتعامل الحكومة مع الملف من زاوية ما تمتلكه من هوامش، أبرزها اعتبار تلك الاتفاقيات قضايا فساد، والتعامل معها وفقا لذلك، ومن خلال المؤسسات القضائية والرقابية المختصة.
ما يعزز تلك القناعة أن معظم الاتفاقيات التي أبرمتها حكوماتنا في مجال الطاقة تفرض علينا شروطا مجحفة، في الأسعار، أو في الكميات المنتجة، أو مدة العقد.
ولم تتوقف الشروط المجحفة عند حدود الاتفاقيات المحلية والعربية، بل تعدتها إلى اتفاقية الغاز مع إسرائيل، بكل ما لنا عليها من تحفظات، أقلها أنها أعطت العدو شرطا جزائيا يمنعنا من التراجع عن تلك الاتفاقية التي يجمع الشارع الأردني على رفضها بالمطلق.
فالثابت الوحيد في اتفاقيات الطاقة التي أبرمتها حكومات متعاقبة هو الشروط الجائرة بحقنا. فكيف لنا أن نفهم ذلك؟ وكيف يتوجب أن نتعامل معه؟