صاحب السؤال هو المُحلِّل السياسي الروسي الكسندر نازاروف, الذي لا يتوقف عن مناقشة ملفات وقضايا, تبدو للبعض مستحيلة الحدوث أو ان المقاربات التي يطرحها, لن تجد لها مكاناً في مرحلة التحوّلات غير المسبوقة التي يعيشها عالم اليوم, وبخاصة منطقتنا فائقة السيولة وغير القابلة قرارات معظم دُولها للفهم, بافتقارها للعقلانية من جهة العبث والمقامرة بموقعها الجيوسياسي ومستقبل ما كان يُوصَف العالم العربي, أم لجهة حماية الأمن القومي والفشل المقيم الذي عاناه وما يزال العمل العربي المُشترك, وعدم تنفيذ مُعظم بل كُل ما تم التوقيع عليه من مذكرات واتفاقات جماعية أم ثنائية, وما اندرج في التجمّعات والمجالس الإقليمية الثلاثة التي برزت قبل نهاية القرن المنصرم.
يتساءل نازاروف الذي يعتمد اسلوبا لافتا, في طروحاته وقراءاته لمسارات السياسة الدولية وتداعياتها الإقليمية, ومستقبل الصراعات والتنافس المُحتدم بين الدول الكبرى, متكئاً على مقارنات وأحداث تاريخية مفصلية, سواء ما خصّ صعود وسقوط الإمبراطوريات الكبرى, أم نتائج الحروب التي أفضت الى تغييرات جوهرية على الحدود السياسية, بما في ذلك الطمس على مستقبل شعوب والحؤول دونها وتقرير المصير, كما هي حال «الكرد» على الأقل بعد الحرب العالمية الأولى – معاهدة سيفر –, ناهيك عن المشروع الأميركي الذي لم يرَ النور بعد الغزو الأنجلوساكسوني/الأطلسي للعراق عام 2003, الرامي الى تقسيم العراق لثلاث دول واحدة سُنّية وأُخرى شيعية) وثالثة كردية.
يقول نازارف في مقال نشره مَوقع قناة (آر تي) الروسي (23/12): «لقد بدأت عملية مُراجعة حدود الدول العربية فِعلياً، الاّ ان السؤال الوحيد المُتبقّي هو: أي هذه الدول ومتى؟».
لم يَقل لنا المُحلل الروسي مَن الذي بدأ عملية المراجعة هذه...ومِن أين بدأ؟, لكن ذلك لا يعني ان الدوائر العاكِفة على مراجعة كهذه غير معروفة, سواء في الغرف السوداء ومراكز الأبحاث والدوائر الأكاديمية والإستخبارية الغربية, أم على الصُعد العسكرية وخطط الغزو وسياسات الهيمنة وبسط النفوذ, كأذرعة للتحالف الإمبريالي/الصهيوني.
يعود بنا نازارف الى المقال الذي نشره المُقدم المتقاعد من المخابرات العسكرية الأميركية رالف بيترز عام 2006, بعنوان «الحدود الدموية» في مجلة القوات المسلحة الأميركية والذي طرح فيه فكرة أن السلام «لن» يسود الشرق الأوسط، اذ لم تتغيّر حدوده الحالية.
كما أرفَق نازارف في مقاله المثير الخريطة المعروفة التي نُشرت على نطاق واسع بعد مقالة رجل الإستخبارات الأميركية المتقاعد، لكنه «نازاروف» يقول: بطريقة أو أخرى..لقد بدأت فِعلياً في عهد الرئيس ترمب عملية مراجعة الحدود العربية رسميّاً، ولن يكون من المُمكن ايقافها, ومع ذلك – يُواصِل –: «تجدر الإشارة الى أن تأكيدات بيترز حول أن كثيراً من حدود الشرق الأوسط بالفعل مُصطَنعة, وتخلِق إمكانية كبيرة للصراع – لا تخلو – يستنتج نازاروف – هي الأخرى من الوَجاهة والمَنطق».
فهل بتنأ أمام نُسخة مُنقّحة من سايكس/بيكو؟ أم ثمة خرائط أكثر «حداثة» باتت جاهزة؟
وهل كل ما يجري من استدارات وانقلابات في بعض المواقف العربية...مُتطلّب «أخير» للبدء في عملية تغيير خرائط «استنفدت» ضروراتها؟.