الدولة الأردنية العمق الوطني في مواجهة الأساطير الاستعمارية

تاريخ النشر : السبت 11:00 26-12-2020
سامح المحاريق

تحاول الرواية التاريخية الاختزالية أن تظهر وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل بوصفه الرجل الذي اخترع الأردن، أو أوجدها، وكأنها نزوة شخصية، وتمضي مخيلة المؤرخين لتجعله يقرر أولا المكان ثم يستدعي إحدى الأسر الحاكمة في المنطقة لتتولى الفراغ الاستراتيجي الذي قرره الرجل بين فلسطين والعراق.

هذه رواية درامية إلى حد ما كُتبت في مرحلة تاريخية سابقة من قبل مؤرخين متأثرين بنمط التاريخ في القرن التاسع عشر، والطرائق التي وظفتها أوروبا للتخلص من عاصفة نابليون بونابرت، فمثلا، وضعت القوى الأوروبية أمام ليوبولد الأول ابن دوق ساكسونيا عرشي اليونان وبلجيكا ليتخير بينهما، ولكن الأمر كان مختلفا في المنطقة العربية، فالواقع أن رجل أوروبا المريض كان يفقد السيطرة شيئا فشيئا على الإقليم العربي، وتزايدت حالة السلبية تجاهه مع ظهور محمد علي وأسرته في مصر، والحروب العثمانية في اليونان والبلقان ووسط آسيا، والحقيقة أن الأوروبيين كانوا يمتلكون قرارا بألا يكون محمد علي هو البديل القادم، ولا أسرته بالطبع، ولم تكن الدولة العثمانية معنية كثيرا بخلق إدارات محلية متمكنة في الشرق العربي.

الأسرة الهاشمية كانت تقريبا الإجابة على السؤال الأوروبي، فتأسيس قناعة للالتفاف حول قيادة شعبية في المنطقة كان متطلبا أساسيا خاصة أن الطبيعة القبلية للسكان كانت تنفر من سياسة التجنيد العثمانية التي ترسل أبناءها بعيدا وتستجلب أبناء مناطق أخرى ليشكلوا الجندرمة العثمانية لديهم، ولم يكن للمماليك وجود داخل هذه المنطقة لسببين، الأول يتعلق بتركيبتها العشائرية، أي وجود كتلة موازية يمكنها أن تشكل وجودا عسكريا صغيرا (ميليشياوي) في مواجهة الميليشاوية المملوكية، والثاني، عدم رغبة السلطنة العثمانية في تمكين المماليك من طريقها الأساسي للحج، أي أن الإجابات كلها كانت تصب تقريبا في أسرة هاشمية بشكل عام، وأسرة قريبة من المنطقة بشكل خاص.

المستشرقون الأوروبيون كانوا من الذكاء لتأكيد هذه الفرضية لدى حكوماتهم، فالمنافس الأقوى لمحمد علي في مصر ما بعد الحملة الفرنسية كان نقيب الأشراف عمر مكرم، ليس من موقعه الشخصي، ولكن من واقع نقابته للأشراف، وفي المناطق الحضرية، ويمكن الحديث عن منطقة مثل جبل الخليل، وعلى الرغم من وجود احتكاك دائم بين كتلتين قبليتين (اليمنية والقيسية) كان لحضور الأسر ذات النسب الهاشمي في قرية صغيرة (الشيوخ) المحاطة بالكامل بقرية أخرى (سعير) دوره في تحقيق بعض الاستقرار خاصة عند التصدي للتحكيم في الخلافات القبلية.

إذن كان الهاشميون منذ البداية في فكر تشرشل وغيره، يضاف إلى ذلك، إلى شعور بريطاني بأن هذه الأسرة خسرت سلطتها في فضائها الأساسي في الحجاز نتيجة ارهاقها في الثورة العربية الكبرى، وهي بالمناسبة الفكرة التي ولدت بصورة مستقلة عن البريطانيين، إذ كان واضحا أن نجاح حركة الاتحاد والترقي في خلع الخليفة عبد الحميد الثاني سنة 1909 يشكل نقطة تحول رئيسية يجنح بالإمبراطورية العثمانية إلى أن تختزل في القومية التركية، فخلع السلطان أتى بعد اندماج الاتحاديين مع حركة تركيا الفتاة، وهو ما أدى إلى انطلاق حركة عروبية مناهضة على يد عوني عبد الهادي ورفاقه الذين وجدوا الفرصة لتحويل حركتهم إلى فاعل سياسي بعد تنسيقهم مع الشريف عبد الله بن الحسين (الملك عبد الله الأول) سنة 1915 في باريس.

كان الأمير فيصل وقتها (الملك فيصل الأول) متواجدا بصورة ميدانية، ومكنته اللحظة التاريخية من التقاط الاستعداد البريطاني للمساندة اللوجيستية من خلال التنسيق مباشرة مع الكولونيل توماس إدوارد لورنس، وكانت الحرب العالمية الأولى ترسم التفاصيل لتعلن المملكة العربية السورية في تجربة قصيرة انتهت عمليا نتيجة توجه فرنسا للإدارة على طريقتها بصورة مباشرة والعمل على فرنسة سوريا كما هو الحال في مستعمراتها.

السؤال البسيط الذي يتبادر للذهن، يتعلق بالأردن التي لم تكن جزءا من المملكة السورية، وحين كانت تتفاعل الأحداث في سوريا، بقيت الأردن هادئة بصورة نسبية، والواضح أن البريطانيين كانوا لم ينهوا تصورهم للدولة التي ستمنح للمهاجرين اليهود، ولذلك لم تكن الأردن عمليا داخل أي ترتيبات حتى تلك المرحلة.

المستجدات في شرق الأردن مضت على محورين، الأول محاولة تأسيس أشكال حكم محلية كانت تبحث عن قيادة مركزية، وتم التوافق على وجود أمير عربي يمكن المناطق المختلفة من الانضواء في دولة تقطع الطريق على الطموحات الصهيونية، الثاني، انتقال زخم العروبيين إلى الأردن نظريا من خلال العلاقة التي كانت تربطهم أساسا مع الأمير عبد الله بن الحسين، وانسحاب الركابي رئيس وزراء سوريا ليضع نفسه تحت تصرف الشريف الحسين بن علي والذي وجهه للأردن لمساندة الأمير عبد الله، وميدانيا من خلال جيوب مقاومة للاستعمار الفرنسي في سوريا كانت تتخذ من الأردن عمقا لتحركاتها، وكان من أمثلة ذلك أحمد مريود وسلطان الأطرش.

تفاعل الأحداث هو الذي أدى بالبريطانيين للتعامل بجدية مع الحركة الوطنية الأردنية لتأسيس إمارة شرق الأردن بصورة رسمية، أما وهم الدولة العازلة فينقضه أصلا توفر العمق غير المأهول سكانيا بين البلقاء وحوران في الأردن والكتلة السكانية في العراق، وهو الدور نفسه الذي تؤديه شبه جزيرة سيناء لتفصل الكتلة السكانية المصرية.

النظريات المغرضة التي يسوقها الاستعمار ومدارسه المختلفة تناقض الواقع من خلال تصويرها للدولة الأردنية بوصفها نزوة شخصية لتشرشل وليست إرادة شعب كان ينظر للثورة العربية الكبرى بوصفها أول خطوات تحققه في التاريخ والجغرافيا بصورة دولة مستقلة، وعدا عن مدى استغراقها في الوهم فإنها بقيت تحاول أن تنال من ثقة الأردنيين والعرب في الدولة الأردنية التي أثبتت قدرتها على البقاء والاستمرار على الرغم من الظروف الصعبة التي استطاعت أن تتجاوزها بصورة تؤكد على عمق فكرة الدولة ووجودها السياسي والاجتماعي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }