كتاب

الإعلام الأردني.. معضلة الحضور والتأثير 

تأسس الإعلام الأردني في مرحلة جياشة إقليمياً، ومن موقع رد الفعل كانت انطلاقة التجربة الإعلامية الأردنية متمثلة في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون والصحافة التي مثلت $ ذروتها بتجربة كانت تعتبر رائدة على المستوى العربي ككل، وكان الإعلام الأردني، تجربة عربية مبكرة، فالإعلام الخليجي كان يعيش مرحلة جنينية في ذلك الوقت، والإعلام المغاربي كان بعيداً عن التأثير خارج فكرة الاستقلال، ولم يكن يحمل طموحات أن يستحوذ على المتلقي العربي.

نتحدث عن رد الفعل بوصفه نقطة الاستناد الأساسية، فالأردن كان يعيش بين مشاريع قومية كان مستعداً للتفاوض والتعاون معها، ولكنه لم يكن مستعداً للتماهي معها على أية حال، ولذلك كان الأردن يعيش مأكولاً مذموماً إلى حد بعيد، ويواجه بصورة موسمية تراشقات عربية كان أشرسها إذاعة صوت العرب وصحيفة الأهرام بقيادة محمد حسنين هيكل الذي كان يدرك تماماً أي صعوبة في تحويل الأردن إلى بلد يدور في فلك المشروع الناصري، وحتى عندما كانت العلاقات تمر بمرحلة من التقارب والتحالف المباشر كما حدث في 1957 وبعد نكسة حزيران وخطاب التنحي الذي أشاد بالموقف الأردني الممتاز وكان يفتح صفحة جديدة من العلاقات مع مصر لم تلبث أن عادت للتوتر من جديد في السبعينيات مع السادات الذي تحرش بجميع القادة العرب ليبرر لنفسه المبادرة بالسلام مع اسرائيل، ويذكر في الأوراق المنسية لصحيفة $ أن رسام الكاريكاتير رباح الصغير كان يمثل لوحده مصدراً لضيق الإعلام الساداتي خاصة بعد معاهدة السلام حين قررت الرأي أن تترك له هامشاً واسعاً لانتقاد السادات في رسوماته.

ازدحمت الساحة العربية بالمشاريع الإعلامية، وكان الأردن يحاول ألا يدخل في لعبة التحرش، فالأردن كان يحاول أن يحتفظ بالمسافة اللائقة مع جميع الدول العربية، ولم ينتهج تصعيداً مبرمجاً ضد أي دولة عربية إلا في الحالات التي كان يمارس من خلالها رد الفعل، وأمام استثمارات هائلة في الإعلام كانت التجربة الأردنية تتراجع شيئاً فشيئاً، فالمشاريع الخليجية واللندنية استطاعت أن تستقطب الإعلاميين الأردنيين المتميزين، وفوق ذلك، كان الإعلام الأردني يتفرغ لمشروعه الداخلي بصورة معقولة في زمن ما قبل الفضائيات والانترنت.

الانقلاب الكبير الذي أدى إلى تغيير الإعلام جذرياً تمثل في دخول الانترنت، فلم يعد الأمر تراشقاً وحجراً طائشاً هنا أو هناك، ولكنه تأثير من الداخل في العديد من الدول، وفي الوقت الذي توجهت فيه الدول الكبرى لتأسيس منصات إعلامية بلغاتها، فدخلت ألمانيا والولايات المتحدة بجانب فرنسا وبريطانيا السباقتين بمونت كارلو والبي بي سي، وبعدها دخلت روسيا وايران وتركيا بمنصات إعلامية موجهة، وفي مرحلة لاحقة لم تعد المنصات الرسمية والمباشرة كافية، فبدأت المنصات المموهة المدعومة من دولة أو توجه داخل دولة تحاول أن تحتل لها مكاناً في الإعلام العربي والموجه للمتلقي العربي، والأردني أيضاً.

بدلاً من تعزيز سياسة رد الفعل من خلال الاستثمار في منصات أردنية تستطيع على الأقل المزاحمة وتقدم الرواية الأردنية، يتراجع الإعلام الأردني بصورة غير مسبوقة، وتتم المماطلة في مشروعات الإنقاذ وكأن الإعلام فائض عن الحاجة، مع أن الإعلام بصيغته التي تشكلت في القرن العشرين يعتبر أحد الأدوات الرئيسية للدولة ولمشروعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولا يمكن تصور مشروع دولة، حتى لو لم تكن هذه الدولة تحمل أجندات التأثير، دون أن يكون مرتبطاً بمشروع إعلامي واضح، فلا يمكن أن يترك المتلقي الأردني نهباً لحرب المنصات الإعلامية وتنافسها، كما ولا يمكن أن يظل حائراً بين تيارات ونزوات مواقع التواصل الاجتماعي، بل ويفترض أن تكون هذه المؤثرات حافزاً من أجل تأسيس مشروع إعلامي أوسع، لا التخلص من الأدوات والانضمام إلى صفوف المتفرجين، فالأردن يحتاج إلى حضور أقوى وأكثر فعالية، وبالقطع ابداعاً.