تقول الحكومة إن برنامجها مع صندوق النقد الدولي بنسخته الأخيرة يعني التزامها بإجراء إصلاحات هيكلية تساعد على «التعافي الاقتصادي وتحفيز النمو». وترى أن هذين العنوانين البارزين يتحققان من خلال جملة من الأولويات، حددتها ب«إصلاحات هيكلية في مجال تقليل كلفة ممارسة الأعمال كالطاقة والعمالة، وتحسين الشفافية الحكومية، وتعزيز الإيرادات عن طريق محاربة التهرب والتجنب الضريبي، دون فرض أية ضرائب جديدة أو زيادة أية ضرائب حالية».
التصريحات الحكومية أطلقتها وزارة المالية بالتزامن مع إقرار المراجعة، التي تفضي ـ بحسب بيان رسمي ـ إلى نسبة نمو تصل إلى اثنين ونصف بالمئة، وإجمالي إيرادات تصل إلى 8، 7 مليار دينار، وتلتقي مع معطيات الموازنة العام للسنة المالية 2021.
بيان وزارة المالية أسهب في التفاؤل بأن البرنامج، والإجراءات الحكومية، ستلتقي عند حالة نجاح في تجاوز الحالة الراهنة.
غير أن المحددات التي تضمنها، ومفردات البرنامج، تضعان الكثير من الضوابط التي قد تلقي بظلال الشك عما إذا كان ممكنا الوصول إلى تلك الحالة. فمن جهة، مطلوب من الحكومة وبإلحاح عدم فرض أية ضرائب جديدة ومن جهة أخرى، رفع نسبة النمو إلى اثنين ونصف بالمئة.
وبين هذه وتلك هناك مطالب ترتقي إلى مستوى الشروط، وتتمثل بتقليل كلفة ممارسة الأعمال في مجالي الطاقة والعمالة، إضافة إلى أمور أخرى.
وهنا يبرز السؤال، كيف يمكن أن تخفض الحكومة كلفة الطاقة، ما دامت تتشبث بمعادلات لا علاقة لها بالمنطق في تسعير تلك المشتقات لتصل المحصلة إلى أسعار ليس لها أي مثيل على مستوى العالم. وما دامت تحمّل مستهلكي التيار الكهربائي كلفة سرقات المتنفذين، وتحمله أثمان كميات متعاقد عليها مع شركات متنفذة.
قد ننظر إلى المسألة من زاوية متفائلة، ونقول إن الحكومة قررت تغيير رؤيتها لهذا الملف، واقتنعت أنه لا بد من تخفيض أسعار الطاقة. فهل نحن محقون في تفاؤلنا؟ أم أنه مجرد عارض تبخر مع أول طلوع شمس.
أما فيما يخص كلفة العمالة، والبطالة، وما يدور في فلكها، لا بد من التوقف عند أمرين اثنين:
الأول، أن الحد الأدنى للأجور الذي أقر العام الفائت لكي يكون نافذا مع بدء العام الحالي، كان قرارا ضروريا لتوفير ما هو أقل من الحد الأدنى لمتطلبات العيش البسيط. وبالتالي فإن الحديث عن تخفيض كلفة العمالة ما هو إلا «تغريدة» خارج المنطق. ما لم يكن القصد تخفيضا في رسوم التصاريح، ودعما مباشرا للعمالة المحلية.
وفي البطالة، أعتقد أن سلسلة أوامر الدفاع قد فاقمت من حدة البطالة، سواء بالسماح لأصحاب العمل إنهاء خدمات عاملين، أو بتخفيض رواتبهم.
وبين هذا وذاك، من الصعب جدا فهم الممارسات الحكومية بالتوسع في إنهاء خدمات موظفين وإحالتهم إلى الاستيداع والتقاعد المبكر. ففي تلك الخطوة ما يؤشر على أن أحاديث الحكومة مجرد شعارات لا علاقة لها بالواقع... وأن مخاوفنا «هيكلية» بأكثر مما هي الإصلاحات.
ومع ذلك ما زلنا ننتظر التوضيح..