تصاعدت المديونية بشكل قياسي منذ العام 2011، ولا يحتاج سوى إلى الحد الأدنى من الذكاء والقدرة على ربط الأشياء لنستنتج أن المديونية هي الثمرة المرة للربيع العربي، وأنها تغذت على مجموعة من العوامل المتداخلة، فضربت التجارة الأردنية مع سوريا والعراق من جهة، وأخرجته من الترتيبات الدافئة للغاز المصري، وجعلته يتوسع في برامج اجتماعية مباشرة وغير مباشرة، بجانب أزمة اللاجئين التي احتسبت تكلفتها الجارية من قبل الممولين، وبقيت مشكلة أثرها على البنية التحتية خارج الأولويات، وأتت أزمة كورونا لتلقي بأعباء اضافية ستستمر إلى فترة يصعب تحديدها.
نحن عالقون في المديونية، ولا يوجد أفق للخروج من المأزق في المدى القصير، وليس علينا أن نظهر شيئاً من المفاجأة حين تتزايد المديونية بالأرقام المطلقة وبالنسب إلى المؤشرات الاقتصادية الأخرى، ولكن ما يمكننا فعله عملياً هو أمرين على قدر كبير من الأهمية والمسؤولية.
الأول، التوقف عن الازدواجية، فكلنا فئويون، بمعنى أن جميعنا يريد مكتسبات للفئة التي ينتمي لها، موظف الحكومة يبحث عن أجر أفضل، وموظف القطاع الخاص يبحث عن الأمان الوظيفي وتحصين دخله، وأصحاب الأعمال ينشدون الإعفاءات والتخفيف من الأعباء، وهلمّجرا، ولتلبية ذلك، فالحكومة ستتوسع في الإقتراض وستعمق المشكلة، ولذلك علينا أن نضع مطالب واقعية وأن نحدد الأولويات.
الأمر الثاني، التوجه إلى الحكومة والحديث معها ومع النواب، فالنواب المنتخبون ليسوا بالضرورة على دراية كافية بالاقتصاد، ومعظمهم يبحثون عن الشعبية، هذه لعبة السياسة، وهي كانت مسؤولة عن أوضاع دول غرقت في المديونية لأن التفكير كان في ترحيل المشاكل إلى المستقبل، والحديث المجتمعي يجب أن يجمع الأطراف الفئوية وأن يواجهها بالحقائق، ويجعلها تفكر في تكلفة كل قرار واجراء، بما يخلق حالة من الفهم بين الأوساط المختلفة، ويحدد حجم التضحيات المطلوبة ويستطيع جدولتها بطريقة أو بأخرى.
ما المطلوب من الحكومة في المقابل؟
عدا عن الإدارة الحكيمة وتحسين قنوات التواصل، على الحكومة أن تضع أمرين في أجندتها، وكليهما يرتبط بالمساءلة الأخلاقية قبل السياسية والاقتصادية، وتأتي مكافحة الفساد بشفافية وفاعلية في المقدمة، فالحديث يدور عن تبديد في المقدرات والفرص نتيجة الفساد، وعملياً لا يوجد تقدير معقول لحصة الفساد من المديونية، فإما تقديرات جزافية مبالغ فيها وبجمع مفرداتها سنجد أن الأردن أغنى من ألمانيا أو فرنسا، بافتراض أن قيمة فساد فلان كان بعشرات الملايين وفساد فلان بمئات الملايين، أو سنجد تقديرات تهون من الفساد وتدفعه للحدود الدنيا وكأنه ليس مشكلة حقيقية.
الأمر الثاني من طرف الحكومة يتمثل في ضرورة ايجاد حل عاجل لمشكلة البطالة، فالشاب الذي يجلس فاقداً لفرصة العمل والإنتاج ومباشرة حياة طبيعية ليس معنياً بأن يدفع ثمن متتالية الأخطاء التي أوصلتنا إلى هذه الحالة، والجميع مسؤول أمام الله والوطن عن جيل كامل وربما أجيال ستبقى في هذه الحلقة المفرغة.
من حيث المبدأ، يمكن أن يأتي تخفيض البطالة لمصلحة تخفيض المديونية من خلال المشاريع الوطنية الكبرى مثل الزراعة إذا تصدى لتصميمها مختصون في تطوير الأعمال ودعمها، فهي سترفد صادراتنا من جهة وستزيد من دوران المال في الأسواق.
ويأتي ضمن الحلول، تطوير قوانين العمل ومنظوماته لنتمكن من إحلال الأردنيين مكان العمالة الوافدة، وذلك من خلال فرص عمل آمنة ومقوننة وواضحة.
لا يمكن لأحد أن يقدم وصفة اقتصادية، دعوكم من الخبراء والمنظرين فكثير منهم يبحث عن الشعبية والاستحسان أو المناصب، فلنبحث عن ممثلين حقيقيين لهمومكم يستطيعون تحديد الأولويات وتحديد حصة الجميع في المغنم والمغرم، وهذا لن يتأتى إلا بمزيد من المشاركة والشفافية والصراحة المتعبة والمرهقة نفسياً، ولنترك جانباً السلبية والتلاوم لأنها غير لائقة بتجربتنا وخبرتنا التي احتوت على فصول أكثر صعوبة وتعقيداً.