يغيب أمين الجامعة العربية أحمد ابو الغيط طويلاً عن الأضواء, على نحو يُخيّل للمُتابع كأن الجامعة استقالت من دورها أو أنها لم تعد موجودة, رغم كل ما يعصِف بالمشهد العربي من أزمات وما يكتنفه من تعقيدات وخصوصاً خصومات ومناكفات وحروب تصفية حسابات, وغيرها مما اعتاد عرب اليوم على افتعاله أو الخوض فيه بمناسبة وغير مناسبة, بهدف إلهاء المواطن العربي عن مشكلاته المُتمادية في العيش والعمل وحرية التنقّل واختلال مفاهيم المواطنة, والانتهاكات التي لا تتوقّف لحقوق الإنسان الأساسية في التعليم والطبابة وحرية التعبير, وغيرها مما تواضعتْ عليه الأمم «الديمقراطية»، على احترامها والتزام تنفيذها تحت طائلة المسؤولية.
ثم.. لا يلبث معالي الأمين العام أن يظهر فجأة, ممتطياً صهوة مقابلة صحافية مقروءة (في مقابلة مع صحيفة «العرب» اللندنية), ليخرج علينا بتصريحات لا جديد فيها, بل يعيد تكرار الإسطوانة المعروفة التي ملّلناها, عبر القاء مسؤولية كل ما حدث ويحدث في بلاد العرب من كوارث وتراجع وهزائم, بل وقفز على ثوابت الأمة وأسباب وجودها, عبر تحميل «الآخرين» (غير العرب) مسؤولية ما نحن عليه, من مَهانة وتراجُع في الأدوار والمكانة حتى بتنا «رجل العالم المريض» بامتياز, يكاد لا يسبقنا فيه أحد على هذا الكوكب.
من هنا.. فإن أقوال الدبلوماسي العريق, حول «المصالح» التي تريد تركيا وايران واسرائيل تحقيقها في المنطقة العربية, تبدو باعثة على الاستغراب المَحمول عن تندر, بأن عرب اليوم لا يختلفون عن «آل بوربون» الذي قيل في حقهم «أنهم لا يتعلّمون». فأي جديد حقاً أتى به السيد أبو الغيط, عندما تحدّث عن سعي الدول الثلاث الى تحقيق مصالح في المنطقة العربية؟. أليس هو «الفراغ» الهائل الذي تعيشه المنطقة العربية, إثر فَقدانها القدرة على ايجاد قواسم مُشتركة في ما بين دولها, وخصوصاً بعد أن توزّعت ولاءاتها على عواصم الغرب, ووجد بعضهم في دولة الاستعمار الصهيوني حليفاً مُحتملاً أو صديقاً؟.
يتجاهل السيد أبو الغيط عن قصد ربما او يتناسى, نظرية «ملء الفراغ» في السياسة كما في الطبيعة ذاتها, التي لا تعرف الفراغ ولا تُقر به, منذ ان تم زرع الكيان الاستعماري الإستيطاني العنصري الصهيوني على ارض فلسطين, ناهيك عن استحقاقات وأكلاف الصراع الدولي والإقليمي المُستعر في المنطقة, خاصة بعد التحوّلات الدراماتيكية في موازين القوى وفي لعبة الأحجام والأوزان التي باتت عليها دول المنطقة, إن في أشكال مُفتعلة كما في المشهد العربي البائس الراهن, أم في أدوار مُتخيّلة لدول مُعينة يجري تصعيدها, على نحو لم يعد سوى فاقد البصيرة والبصر هو من يتجاهلها.
كل هذا حدث ويحدث في غياب أي دور فاعل للجامعة, سواء بإرادتها وضعف مَن تعاقَب على أمانتها العامة, أم بقرار غير مُعلَن من معظم أعضائها وسكوت أقلية اختارت النأي بنفسها عن تنمّر أغلبية مُستجدّة... للحديث صلة.