رغم الضجيج المحمول على غطرسة وتكريس لإرهاب الدولة, الذي واصلته دولة العدو الصهيوني منذ قيامها على وطن الشعب الفلسطيني, وخصوصاً تبجّح أحد استخبارِيي الدولة الصهيونية, بأن على العالم أن «يشكر» إسرائيل على اغتيال العالم النووي الايراني الأبرز محسن فخري زادة. فإن ردّ الفعل الإيراني الغاضب ولكن المُنضبط والمبني على قراءة عميقة لأهداف الضربة المُوجعة التي وجّهها ذراع الاستعمار الغربي في المنطقة العربية، يشي بأن قادة طهران لن يذهبوا بعيداً في ترجمة ما أجمع عليها المعسكران (المُحافظ والمُعتدل) بضرورة الرد والانتقام لمقتل زادة, وإن لم يتورع بعضهم عن الدعوة لضرب حيفا, وتوجيه رسالة حاسمة لتحالف ثنائي الشر نتانياهو/ترمب، دون إدراك أن «أوامر» الأخير بتحريك حاملة الطائرات نيميتز إلى مياه الخليج, وقبلها إرسال القاذفة الاستراتيجية «بي 52» سبق عملية اغتيال العالم النووي الإيراني. تلك العملية التي عكست ضمن أمور اخرى ضعفاً استخبارياً إيرانياً, كان يتوجّب تلافيه أو العمل على تحسينه, وخصوصاً توفير حماية كافية لفريق العلماء الذي يتولى تطوير البرنامجيْن النووي والصاروخي الباليستي في نسخته «الدقيقة»، حيث تواصِل اسرائيل الضغط من اجل شموله في أي «عودة» اميركية للعمل باتفاق 14 تموز2015 الذي توصلّت إليه مجموعة 5+1 وانسحب ترمب منه في ايار 2018.
من السذاجة الاعتقاد أن إيران ستترك مسألة «الانتقام» لاغتيال زادة وقبله الجنرال سليماني، لعامل الزمن أو تجعل منه مُجرد سيف تهديد مُسلط على سفارات إسرائيل, وحدود فلسطين المحتلة مع لبنان, أو حتى الجولان السوري المُحتل، بل هي الآن – كما حال اغتيال الأميركان للجنرال سليماني – تلوذ بما دأبت وَصفه «الصبر الاستراتيجي", من أجل إمرار الفترة الحرجة التي استغلها بخبث وذكاء نتانياهو, عندما وجّه تصفية العالم النووي الإيراني البارز، ونقصد هنا الفترة التي تسبِق تولّي جو بايدن مهامه الرئاسية رسمياً في العشرين من كانون الثاني القريب، على نحو أراد منه نتانياهو كما ترمب ومَن يدعم سياساتها العدوانية في المنطقة العربية, استدراج إيران إلى رد انفعالي لن تسمح تل ابيب وواشنطن ترمب بأن يمرّ دون تصفية حساباتهما «غير المُغلقة» مع طهران، وبما يفضي في النهاية إلى عرقلة عودة بايدن للاتفاق النووي، ناهيك عما ستتركه حرب صهيواميركية مخطط لها جيداً، من أكلاف وآثار على موازين القوى في المنطقة العربية، خصوصاً إذا ما تم شمول الجبهة اللبنانية (حزب الله) والجولان (جنوب سوريا بأكمله) في حرب شاملة، كتلك التي يحلم بها ثنائي الشر نتانياهو/ترمب ومَن والاهما.
بحذر شديد.. يمكن القول أن طهران التي لن تنسى ولن تغفر لإسرائيل وأميركا، ما الحقاه بها من أضرار وما ارتكبتاه من جرائم ضد علمائها ومواقعها الاستراتيجية الحيوية، لكنها حريصة كل الحرص – إذا لم ينجح أصحاب الرؤوس الحامية في معسكر المحافظين في تغيير الأولويات – على إفشال خطة ترمب/نتانياهو لاستدراجها. وكلها لـِ(الانتقام) مسألة شهرين.. بل ربما خلالهما, وقبل الساعة «25» من جلوس بايدن على كرسي المكتب البيضاوي.. رئيساً لأميركا حاملاً الرقم «46».