قال عرار أجمل القصائد في ناعور, وقلنا نحن الأردنيين عن أهلها (صبيان الصباح).. وأجزم أن صايل الشهوان ظل لغز المحب والعاشق, وظل تعويذة الفرسان في الدولة الأردنية...
وأنا أعرف ناعور وأعرف أهلها جيداً, من درويش الشهوان.. وحتى اللواء خالد عبدالنبي.. الذي ظل مثالاً للخلق والرجولة في المؤسسة العسكرية, وشيخاً تفرد في عشق الناس له.
لكن ما حدث مؤخراً يجعلني أقف عند ظاهرة غريبة جداً, هي أن يتحدث نائب باسم الكل.. وأن يدان الكل لأجل نائب, علماً بأن ما قاله يقع في لحظة انفعال.. ومن حق الناس أن تغضب, ومن حق الاخرين أن ينتقدوه, ومن حقنا نحن كإعلام أن نصحح له.. ذلك أن نوايا البشر, تكون في الغالب أفضل بكثير من كلماتهم.. ربما خانته الكلمات, وربما من نصحه أغفل ردة الفعل الشعبية.. وربما أن التعبيرات كانت سرداً أدبياً أكثر منها واقعاً.
لكن في النهاية علينا أن ندافع عن ناعور وأهلها, فجميعنا لنا حصة فيها.. حصة في صايل وحصة في العسكر الذين غادروها يوم المنازلة في فلسطين ولم يعودوا.. بل اختاروا درب الشهادة, ولنا حصة أيضاً.. في المتنورين الذين أنجبتهم وشكلوا حالات وعي في الدولة الأردنية من: (حسن البراري, د. نواف العجارمة, النائب السابق عدنان السواعير.. المذيع الرائع بلال العجارمة) ولنا حصة أيضا في كرمهم, والسخاء الذين مارسوه.. حين حموا الدخيل, وكانوا سندا للعسكرية الأردنية ولبيروقراط الدولة.. وأسسوا في حب البلد ملحمة وفي الولاء للعرش حكاية.
ناعور.. أنا أعرفها جيداً، مثل كفي.. أعرف تضاريسها, والبيوت المشرعة للضيوف وأعرف سماحة الناس هناك وبساطتهم, والأهم من كل ذلك.. أنهم عاندوا الصخر كي يعلموا أولادهم.. الطب والهندسة، (العجرمي) كان يؤمن بضرورة التعليم مبكراً, لهذا قاتل حتى يحصل أولاده على شهادات جامعية, وكانت الدرجة العلمية.. تمثل حلما عند جيل من الشباب.. هزموا العوز والمستحيل لكي يكون لهم مكانهم, في سماء هذا البلد وفي قراره.
تلك قضية يجب أن نركز عليها في نقدنا وفي فهمنا للأشياء, وهي أنه لايوجد نائب في الأردن يتحدث باسم الكل, ويختصر الكل.. ولا يجوز لنا أن نقحم الجغرافيا التي شب عليها صايل الشهوان أيقونة النضال والكفاح في هذه الدولة, بمناكفات وصراعات.. ونصورها أنها معزولة عن القلب الأردني, ناعور ليست جزءا من الأرض بقدر ما هي مساحة في القلب.. وناعور هي الأرض التي استقبلت, شيوخ ووجهاء من كل عشائر الأردن وفلسطين وهي التي سامحت في الدم, وعلمت الناس العفو.. وهي التي تجير الغريب وتحميه, وتحنو على المكلوم.. وتحمي الدخيل.. هي الأرض التي تربى فيها (صبيان الصباح) وكانوا سطراً منيراً في الحكاية الأردنية, وفي فصل التضحيات..
الناس تهاجم وتنتقد, وتسجن وتظلم وتتهم.. لكن الجغرافيا لا تختصر في شخص أبدا.. ناعور هي حلم الأردني وقصيدة الشاعر وبندقية البلد.. والعقال المليء بالعز..
حماها الله.. وسلامي (لصبيان الصباح).