كتاب

الحصانة النيابية تعيق مكافحة شراء الأصوات

أحالت الهيئة المستقلة للانتخاب خلال الأيام القليلة الماضية عددا من المترشحين في القوائم الانتخابية إلى النيابة العامة، وذلك بسبب وجود شبهات قيامهم بشراء أصوات الناخبين في دوائرهم الانتخابية بشكل يخالف أحكام قانون الانتخاب. إن الإدعاء العام هو صاحب الولاية العامة في تحريك دعوى الحق العام في مواجهة أولئك الأشخاص، على اعتبار أن الفعل المسند إليهم – وعلى فرض الثبوت–يشكل جريمة جزائية يعاقب عليها التشريع الوطني بالحبس مدة قد تصل إلى سبع سنوات. ويترتب على إدانة أي مترشح بحكم قضائي قطعي أن يفقد أحد شروط الترشح لمجلس النواب. فإذا صدر قرار الإدانة بعد فوزه في الانتخابات النيابية، فإنه يعتبر فاقدا لشرط من شروط العضوية في مجلس النواب، بالتالي تسقط عضويته حكما، وذلك عملا بأحكام المادة (75/3) من الدستور.

وتبقى المشكلة الأساسية التي تعيق الجهود الوطنية في مكافحة المال السياسي الأسود هي ذاتها تتكرر مع كل انتخابات نيابية. فالهيئة المستقلة للانتخاب والنيابة العامة تقومان بأدوارهما المناطة بهما من حيث البدء بملاحقة المتورطين بارتكاب جرائم شراء الأصوات وإحالتهم إلى القضاء. إلا أن فوز ذلك المترشح بالانتخابات النيابية واكتسابه صفة العضوية في مجلس النواب يكسبه حصانة نيابية تحول دون توقيفه أو استمرارية محاكمته أثناء اجتماعات المجلس. وفي هذا الإطار، فإن المشرع الدستوري يشترط لاستكمال الملاحقة الجزائية أن يصدر قرار برفع الحصانة النيابية عن ذلك النائب المتهم بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، وذلك عملا بأحكام المادة (86) من الدستور.

وفي إحدى السنوات السابقة التي أثيرت بها هذه المشكلة القانونية، تقرر استفتاء المحكمة الدستورية حول تفسير الحصانة النيابية المقررة لأعضاء مجلس النواب، حيث جاء القرار التفسيري رقم (7) لسنة 2013 على نحو يوسع من نطاق هذه الحصانة، بأنها تشمل كافة التصرفات والأفعال الجرمية التي يرتكبها النائب قبل عضويته في مجلس الأمة، وبالتالي فإن جرم شراء الأصوات الذي ارتكبه قبل فوزه في الانتخابات يكون مشمولا بالحصانة النيابية. كما قضت المحكمة الدستورية بأن الحصانة النيابية هي حصانة إمهال وليس إهمال، بمعنى أنه يمكن متابعة الإجراءات الجزائية بحق النائب المتهم بشراء الأصوات بعد انتهاء الدورات البرلمانية، وعند حل مجلس النواب.

إن تأخير المحاكمة الجزائية للنائب المتهم بشراء الأصوات وتعليقه على صدور القرار برفع الحصانة النيابية عنه، أو حل مجلس النواب له تبعات سلبية على إجراءات المحاكمة تتعلق بضياع الأدلة الجرمية، وصعوبة الاستعانة بشهود الإثبات. كما يبقى التساؤل قائما حول دستورية القرارات والأعمال التي سيشارك بها النائب المتهم بقضية شراء أصوات، والتي بدأت محاكمته قبل فوزه في الانتخابات النيابية.

لذا، فإن الحاجة ماسة للتفكير في آلية يمكن من خلالها تسريع إجراءات التقاضي الجزائي بحق المترشحين المتهمين بشراء الأصوات، بحيث يصدر بحقهم أحكام قضائية نهائية بالإدانة أو البراءة قبل أن يعقد مجلس النواب الجديد أولى دوراته البرلمانية، بالتالي يتم تقرير مصيره في البقاء في المجلس من عدمه قبل شروعه بالعمل البرلماني.