كتاب

الاستحقاق الدستوري والوبائي.. تقدم حذر واختبار حقيقي

يقترب موعد الانتخابات النيابية ومعه يتصاعد المنحنى الوبائي، وتباينت على ذلك الأساس الآراء، من ينادي بتأجيل الانتخابات ومن ينادي بالاستمرار فيها، وبعيداً عن التفكير السياسي، لا يحتاج الأمر إلى كثير من الفطنة لنقف على أن المنادين بالتأجيل ينتمون إلى تيار عريض ينادي بالإغلاق الشامل، وعلى النقيض، فمن ينادي باستمرار الحياة يقف مع الانتخابات.

بالمضي قدماً إلى بعض الكواليس السياسية، والاشتباك مع التفاصيل مبكراً، ولنتذكر أن تجاهل التفاصيل، وإن كان أعجبنا عندما تحدث به أحد الوزراء في الحكومة السابقة، وأرضانا عاطفياً، إلا أنه أوردنا وضعاً ضاغطاً، واضطررنا لندفع ثمنه في النهاية، فما الذي نجده في التفاصيل؟

يشكل النواب القائمون حالياً كتلة تأثير كبيرة تحاول الدفع بالتأجيل، لأن ذلك يعني ضمنياً عودة المجلس النيابي المنحل، وبطبيعة الحال لا يتصدر النواب المطالبة بالتأجيل، ولكن ما يقال في الكواليس مختلف عما يقال في العلن.

لا تتوقف الاستحقاقات الكبرى عند الوباء، فالعالم يخوض أكثر من معركة ستستمر لسنوات قادمة وستشكل واقعاً جديداً، فمثلاً لم يحصل أحد على هدنة في الجدل القائم حول الإسلاموفوبيا والإسلام المعتدل، ولم تتوقف موجات صفقة القرن، ولم يستمع أحد للرئيس ترمب وهو يلمح بتأجيل الانتخابات الأميركية، ولم تتوقف الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، وكادت الأوضاع أن تنفجر بين الصين والهند، وهي ساخنة أصلاً بين الهند وباكستان، وتجري انتخابات نيابية في مصر بعد انتخابات سابقة لمجلس الشيوخ، وفي الأردن نحن أصلاً نعيش في مواجهات مفتوحة وأخرى محتملة، ووجود مجلس نيابي هو ضرورة محلية واستراتيجية لتعزيز مواقف الأردن في أي مواجهة قادمة.

الحكومة والمؤسسات المختلفة تدرك الموقف المعقد، وتمتلك أيضاً جانباً من الحلول، فالمراقبة اللصيقة لعملية التصويت، وما سيتطاير من صور ليجد مكانه على المنصات الإعلامية ومواقع التواصل، سيكون عاملاً مهماً يمكن أن يريحها أو يتعبها في المرحلة المقبلة، وعلى الحكومة أن ترسم السيناريو كاملاً لديها، وأن تؤكد على كفاية اجراءات التباعد والتدابير الصحية وتجنب التزاحم، وستكون هذه بروفة متكاملة لنية الحكومة في إنفاذ القانون، خاصة أن التراخي في هذه المرحلة سيشكل عاملاً محبطاً، لأن صورة عملية الاقتراع ستحدد مزاجاً عاماً لفترة طويلة مقبلة.

يغمز البعض حول الإصرار الحكومي على إجراء الانتخابات في موعدها، بل وتضاف أحياناً نكهة نظرية المؤامرة، مع أن مستوى الشفافية المتبع مرضي، فالزيادة في الفحوص المخبرية هي التي تدفع بأرقام الإصابات إلى الارتفاع، ولو كانت الحكومة تهدف إلى تمرير الانتخابات بأي طريقة لتمهلت في التوسع في الفحوصات.

الحكومة أمام الاختبار الحقيقي الأول مع الانتخابات، فالتصاعد الوبائي ودخول الانتشار المجتمعي قصة مرحلة من الحكومة السابقة، ولكن مشهد الانتخابات ونجاحها هو ما يمكن أن يقدم الحكومة فعلاً، والخروج بانتخابات ناجحة ومنضبطة هو الذي سيدفع للتفاؤل بشكل عام، وغير ذلك، فالمراجعة الشاملة مطلوبة، والمجلس القادم يفترض أن يحملها على كتفيه.

بالمناسبة، إذا أنتجنا نفس المجلس السابق، ولم نتحرك للدفع بتغيير جذري يضع أشخاصاً مناسبين ممثلين للشعب، فلا يمكن أن نبقى على نقدنا للحكومة بهذه الشاكلة، فالأمر وقتها يجب أن ينصرف إلى مراجعة أفكارنا ومواقفنا.