كتاب

على هامش الوباء وأزمة الحكومات الإعلامية

نفى وزير الصحة أن يكون صرح بأننا نمضي نحو المجهول، ويذكر الأمر بمقولة «انتهت حلول الأرض، ولم يبق إلا حلول السماء» والتي تم تداولها عن رئيس الوزراء الإيطالي أثناء الذروة الأولى للوباء في بلاده، وعلى الرغم من بلاغة الجملة ورهافتها، إلا أنه لم يحدث أن تلفظ بها الرجل، ولكن سيجد البعض صعوبة في تصديق ذلك وسيصرون على أنه قالها، وفي التاريخ أمثلة كثيرة، ومنها أن الملك لويس الرابع عشر لم يتلفظ بمقولة «أنا الدولة، والدولة أنا» ولا وردت بنصها أو بمعناها في أي مرجع يعتمد عليه، ومع ذلك يكاد يستشهد الفرنسيون وغيرهم بالموقف المتخيل ويعتبرونه جزءاً من ذاكرتهم الوطنية.

بالعودة إلى وزير الصحة، والذي لم يزعم يوماً أنه ذو قدرات خارقة أو استثنائية، وهو مثلنا يترقب سلوك المنحنى الوبائي الذي لا يمكن التكهن به، فالقراءة حول فيروس الأنفلونزا الأسبانية القريب من الكورونا في امتداده وسهولة انتقاله تعلمنا بأن الفيروس اختفى بصورة مفاجئة، ولا تفاصيل أو تفسيرات كثيرة حول ظهوره واختفائه، ولكنه كان مصدراً للقياس، وطالما وصلنا إلى القياس، واستدعينا ايطاليا، فلماذا لا نقيس الحالين، مع مراعاة أن الأردن مجتمع شاب ومتوسط العمر نصف منتصف العمر في ايطاليا، وبافتراض الأسوأ، فما الذي سيحدث؟ هل انتهت ايطاليا؟ هل ابتلعها البحر؟ ما زال الإيطاليون يواصلون حياتهم دون كثير من الجلد للذات.

أمامنا أسابيع صعبة، ولكن ضمن هذه الحالة المعنوية، ومع كثير من التربص، فإننا سنجعلها أصعب على أنفسنا، فما الذي جنته المنصة الإعلامية التي روجت للمقولة المرعبة والمحبطة في وقت واحد، وما الذي استفادته المواقع الإلكترونية التي تناقلتها؟ ولماذا كان الميل لدى متابعي التواصل الاجتماعي لتصديق المقولة وتداولها؟

توجد مشكلتين أساسيتين، الأول في الميل المفرط من وزراء الحكومة للحديث والظهور الإعلامي، مع أن ذلك يتناقض مع وظيفة الناطق الرسمي، وفي الحكومة السابقة وصلت هذه الظاهرة إلى حدود غير صحية، ونخشى على الحكومة الحالية أن تسقط في الفخ نفسه، فالمعروف أن رئاسة الوزراء لديها فريقها الإعلامي، وفي جميع الوزارات كذلك، والوزراء صيد إعلامي جيد، ولذلك فظهورهم الإعلامي يجب أن يكون في الحدود الدنيا، وخاصة في الظروف المعقدة، لأن طريقة الصياغة يمكن أن تخونهم، وزلة اللسان يمكن أن تثير زوبعة، وكم يوجد مهنيون كثيرون لا يمتلكون من قدرة التواصل شيئاً، وكم يوجد من لا يمتلكون سوى القدرة على التواصل؟ ولا نستثني أيضاً من لم يظفروا لا بهذه ولا بتلك.

ليس الوقت لمراجعة وظيفة الوزير، وكونها وظيفة سياسية في الدرجة الأولى، ويفترض بأن يكون شاغلوها من أصحاب الخبرات السياسية التي تتطلب قدرة ممتازة على التواصل والمحاججة والمناظرة، ويكون ظهورهم جزءاً من تسويق توجه سياسي معين، فكلنا نعرف أننا نعيش في أزمة وأن التركيز يجب أن ينصب على عبورها.

حاولت الحكومة أن تصل إلى نقطة وسط، بين معارضي الإغلاق الكامل والمطالبين به، وأخذت مهلة لبضعة أيام لالتقاط الأنفاس، وتصاعدت الدعاوى لتأجيل الانتخابات، وأمامها دعوات أخرى لإنفاذها، وخاصة أن العديد من الانتخابات تجري حول العالم أثناء الوباء، والنتائج الدستوري للتأجيل قد لا تكون مواتية، والمتابعة عن كثب لما يحدث تؤكد أن الحكومة لن تحصل على الإجماع، فما نواجهه هو وضع على قدر كبير من السيولة والغموض لا يمكن الاستقرار على رأي بخصوصه، وحتى أنه لا يجب، فهو ليس من الثوابت التي يجب أن ندخر اجماعنا بخصوصها.

نتمنى ألا تكون استجابة الحكومة تجسيرية، وأن تحافظ على هامش الوقت المناسب، فالمفروض مثلاً ألا يستدعي الحظر القادم تزاحماً خاصة أن إعلانه أتى مبكراً للغاية، وكذلك، لا يجب أن يكون الحظر مجرد حل توفيقي أو استجابة آنية، وأن يتم الاستمرار في حلول منطقية تتناسب مع وضعنا في الأردن.

بعد قليل من التشتت حول إدارة الإعلام، وضمنياً إدارة الثقة، يمكن أن نوجه النقد الذاتي وعلى صفحات الرأي التي تعد جزءاً من منظومة إعلام الدولة، ومعها الصحف اليومية الأخرى، والقنوات التلفزيونية الرسمية والخاصة، أي المؤسسات الإعلامية التي يفترض أن تدار ضمن أطر المسؤولية تجاه الوطن والحقيقة معاً، وأن تمشي الطريق الصعب لذلك، فالمسؤولية كبيرة، والفراغ هو الذي يولد الخبر الخاطئ، والتباطؤ يساعد على انتشاره، والرد غير المتقن يؤكده، وهذا التوقيت لا يتناسب مطلقاً مع ذلك، ولربما على الحكومة أن تترك الخبز لخبازه وأن تعود لتقييم إعلامها بمختلف أدواته ومؤسساته لتقف على ما يحتاجه فعلاً، ولتكن الحكومة مطمئنة نوعاً ما، فالخباز لن يأكل نصف الخبز لأن أوضاع المؤسسات الإعلامية لم تعد على ما يرام من الأساس.

أزمة الثقة تضرب في الروح المعنوية، وللأسف فإن النهج الإعلامي اليوم يدفع ثمن ارتدادات بعيدة مثلتها حالة الاستعراض لدى الوزراء والنواب الذين وجدوا كثيراً من المنابر، وقرروا أن يمضوا في خطابهم الذاتي متناسين أن الإعلام هو رأسمال وطني واستراتيجي لا يمكن أن يتم الاستغناء عنه.