يتذرع كثيرون بعدم وجود مرشح مناسب يعبر عنهم لتسويق موقفهم بمقاطعة الانتخابات المقبلة، وهذه الحجة غير مقنعة، فالمرشحون لا يمكن أن يتطابقوا مع المواصفات القياسية التي يحملها الناخبون، والناخب يصوت على برنامج واضح ومحدد، لا على شخص المرشح في النهاية، فعندما يذهب الناخب الأميركي للتصويت إلى ترامب هو يذهب أولاً ليدعم توجهات الحزب الجمهوري، والأمر نفسه في حال تصويته لبايدن، ولا يعني ذلك أن شخصية المرشح لا تحتل مكاناً مهماً في القرار الانتخابي، وأن البعض لا يمكن أن ينتخبوا ترامب سواء كان مرشحاً للجمهوريين أو الديمقراطيين، ولكن هذه النسبة من الناخبين ليست بالمؤثرة، وما زال توزيع الولايات الأميركية بين الحزبين المتنافسين هو المؤشر الرئيسي لتتبع التصويت.
من الناحية الشخصية لا يمكن أن نتوجه بالنقد أو التزكية لأي من المرشحين إلا في مواضيع غاية في العمومية، فالنواب الإسلاميون مثلاً، لن يكونوا متسامحين أو منفتحين مع القوانين التي تتعلق بالأحوال الشخصية، مثل الولاية أو الوصاية على الأطفال، وبوصفي ناخباً علي أن أعرف هذه النقطة البسيطة والبدهية جداً، وإذا كانت هذه المسألة من أولوياتي القصوى، فسأبحث عن مرشح يقع على طرف النقيض.
أما ما الذي ستكون عليه مواقف المرشحين الإسلاميين في حال فوزهم في قضايا تتعلق بالمالية العامة فأمر من الصعب التكهن به، خاصة أن المالية العامة تعيش حالياً مرحلة استحقاقات كبيرة لا تفتح هامشاً واسعاً للاختلاف حولها، فمثلاً نحن لا نمتلك الفوائض ليقرر مجلس النواب إذا ما كنا سنستغلها في تطوير التأمين الصحي أو إنشاء المزيد من المدارس، أو البنية التحتية، عملياً، إذا كنا سنزيد الدعم النقدي أم سنتوجه لمزيد من الدعم للسلعة نفسها، وهكذا، إذن فالمجلس النيابي لا يمكنه أن يخلق واقعاً يقوم على التمنيات، وأقصى ما يمكن أن يقوم به هو إدارة الواقع القائم.
نعيش أزمة اقتصادية كبيرة والعمل السياسي تجاه هذه الأزمة يتطلب مجلساً يصل إلى مواقعه بكثير من الإسناد، أي بنسبة تصويت عالية، وداخل المجلس يوجد نواب لديهم التوجهات التي يحملها كثير من المواطنين، فالجميع يريد المزيد من الوظائف، والدولة لا تريد أن تتوسع في التشغيل، وإذا كانت ستستجيب للمجلس فعليها أن تفرض مزيد من الضرائب، وستجد نفسها في مواجهة نواب آخرين يرفضون ذلك من حيث المبدأ، وأمام مجلس يعرف أعضاؤه أنهم وصلوا فقط بالأصوات التي مثلت أقاربهم ومحيطهم الاجتماعي أو إنفاقهم الانتخابي، فإن فكرة الالتزام أمام مجتمع الناخبين تبقى محدودة، ولا يمكن أن تكتسب أثرها المطلوب دون وجود عدد من الناخبين، يشعرون النائب الفائز أنه مدين لتوجه كامل في المجتمع.
إن الاستسلام لفكرة المقاطعة السهلة لن يؤدي إلا إلى وصول معظم النواب السابقين للمجلس، ولكنه سيجعلهم يسترخون طويلاً لأنهم ينجحون بناء على أصولهم السياسية من صلات عشائرية أو مواقع اقتصادية، لا من خلال وجود توقعات عالية للناخبين، والتوسع في قاعدة التصويت هو الذي يمكن أن يوفر أربع سنوات من عمر الإصلاح السياسي، وعدا ذلك سنجد أنفسنا في نفس المربع في السنوات المقبلة.
بالمناسبة لا يمكن أن يترشح مهاتير محمد في الانتخابات الأردنية، ولكن لا يمكن أن نصنع مهاتير محمد يخصنا ونحن متمددون في منازلنا نمنح منافسة محدودة وسهلة لبعض المرشحين، ومن يعتقد بعدم وجود المرشح المناسب فهو يقر بأننا مجتمع عقيم، ولا أعتقد أننا كذلك، بل وليس لدينا رفاهية أن نكون كذلك.
لن يتغير المعروض بين المرشحين، نحن فقط من نفتح المجال لمن لا يمثلنا بالطريقة المناسبة من خلال سلبيتنا وانصرافنا عن المشاركة، ولذلك علينا فقط أن نعرف ما الذي نريد؟.