هناك فهم خاطئ لدى كثير من الناس يعتقد أن العلم حقيقة معرفية ثابتة ومجردة, والحقيقة أن العلوم المعرفية مرتبطة إرتباطا وثيقا بالافتراض والفهم والتحليل والأسئلة والأجوبة والإثباتات, وما إلى ذلك من أسس البحث العلمي للوصول كما يقول الفيلسوف الألماني (ادغارموران): «الغاية من المعرفة ليس امتلاك الحقيقة بل السعي إلى بلوغ الحقيقة والابتعاد عن الخطأ، فالمعرفة العلمية بمجملها هي جهد تراكمي يعتمد اللاحق منه على السابق».
نعلم جميعا أن المعرفة التي نمتلكها الآن بشتى أنواعها وتفرعاتها, سواء في العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية أوالتجريبية اوغيرها من العلوم, هي نتائج تراكمات للكثير من النظريات والتجارب والمعتقدات والمشكلات مضى عليها آلاف السنين من عمرالبشرية, فاذا صح لنا التعبير فهناك صراع مستمر عبر التاريخ في إتجاه إمتلاك الحقيقة وتوسيع نطاقها, والابتعاد عن الخطأ الذي هو جزء من كيان الحقيقة الذي نسعى إلى تجاوزه وإبطاله. يقول علماء الفلسفة إن أول الحقيقة هو آخر المعرفة, وإن آخر المعرفة هو أول الحقيقة. والمعرفة بشكل عام هي بناء يتم وفق جدلية بين الذات والموضوع, تحتمل الخطأ والصواب, فالحكم على الشيء جزء من تصوره.
إن ما ذكرته سابقا من جدلية حول العلاقة ما بين المعرفة العلمية وبين الفكر والتطبيق, بما تحتويه تلك الجدلية من إحتمال الخطأ والصواب, أحد الأسباب الجوهرية التراكمية لتطور الدول المتقدمة, التي يعيش فيها الإنسان في مناخ صحي, من أسبابه المساواة في الحقوق والواجبات والمصداقية والثقة, وقبول الرأي والرأي الآخر, والفكر القائم على المشاركة والمنطق والاستنتاج وليس الإقصاء. نعم نحن لا ندعي أن تلك الدول هي (الجمهورية الفاضلة) التي تحدث عنها الفلاسفة الإغريق, ولكن ما دفعني للكتابة بهذا الموضوع, ليس المقارنة بل ما نعيشه في مجتمعاتنا من حالة أقل ما يقال عنها أنها حالة من التناقض وانفصام الشخصية, ففي حين أننا نؤمن أن العلم والمعرفة هما سبيل التقدم والنهضة, ما زلنا نشرع القوانين والأنظمة لكي تتواءم وتخدم موروثنا ومعتقداتنا الإجتماعية والفكرية والعقائدية والعرقية, غير قادرين على التحرر والانطلاق والقبول بالتغيير فليس عيباً أن نخطئ ولكن العيب أن تستمربالخطأ, وأن نعلم أن التاريخ حالة مستمرة من التطور في الفكر الإنساني, تتطلب منا دائما إعادة النظر والقبول بالتغيير.
لقد آن الأوان أن ننفض غبار التاريخ ونقديم نموذج معرفي أو أطار عام, تلتقي عنده كافة العقليات وتذوب به كافة الفوارق والاعتبارات المذهبية والعرقية, لا نتخلى به عن الثوابت. نقبل بالعلمانية وفق ضوابط أخلاقية ونقبل أيضاً بالانفتاح الديني وفق ضوابط عقائدية، ونقبل بكل تغيير إيجابي، مبني على أسس علمية وأخلاقية وللأسف لايمكننا القيام بكل ذلك وهناك الكثير منا، ما زالوا يؤمنون بأن المواطنة فئات ودرجات تتعايش مع بعضها وفقا لمنظومة من الثوابت الاجتماعية الموروثة يتم توزيع الحقوق والواجبات بها على قاعدة: «زيد يرث وزيد لا يرث» وأن الحقيقة كما يرى ويدري, فالأرض عنده ثابتة, لأنه لا يشعر بها تدور.
العلم تاريخ من الأخطاء
12:16 8-10-2020
آخر تعديل :
الخميس