كتاب

ما جدوى تغليظ العقوبات والتساهل في تطبيقها؟

تعلن الحكومة بين الحين والآخر، عن ضبط عشرات المخالفين لتدابير الوقاية من وباء كورونا. ويصل عدد المضبوطين ، أحيانا ، إلى المئات، بينما تشير أية عملية رصد متواضعة إلى أن النسبة الكبرى ممن تقع العين عليهم إلى أنهم مخالفون.

وبالتوازي، لم يكشف أحد عن أن طرفا رسميا أوقفه في الشارع أو في محل تجاري، ليسأله عن سبب مخالفته لأوامر الدفاع التي تعالج هذا الملف، ما يعني أن هناك ثغرة في مجال الرقابة والمتابعة لمدى الالتزام بسبل الوقاية.

فقد أصدرت الحكومة مؤخرا أمر الدفاع رقم «17»، غلّظت بموجبه العقوبات على مرتكبي مخالفات الوقاية والسلامة العامة والتدابير المتخذة المتعلقة بوباء كورونا. وعدّل أمر الدفاع الجديد العقوبات الواردة في الأمرين«8» و«16»، بزيادتها سجنا وغرامة.

التعديل الجديد للعقوبات جاء مستجيبا لتطورات الموقف، المتمثل بارتفاع عدد الإصابات والوفيات، وبلوغها مستويات خطرة وفقا لتقييم العديد من الخبراء والمتخصصين. إضافة إلى احتمالية توالي الارتفاع إلى مستويات حرجة.

ما يمكن قراءته من أمر الدفاع الأخير أنه يهدف إلى مواجهة حالة الاستهتار التي يمارسها الشارع بنسبة كبيرة جداً، فعلى الرغم من صدور أمرين سابقين يحددان التدابير الواجب اتخاذها، والعقوبات على من يخالفها، ما زال الشارع يشهد أقصى حالات الاستهتار، والامتناع عن تطبيق التدابير المطلوب الالتزام بها في الشوارع والأسواق، وأهمها ارتداء الكمامات، والحفاظ على التباعد الاجتماعي.

فأية عملية رصد لممارسات العامة في الشارع تعطي تصوراً على مدى الاستخفاف الذي تمارسه الغالبية العظمى، ففي المخبز، مثلا، تجد من يدفعك من الخلف أو يلتصق بك متجاهلا إشارات رسمت على الأرض، وتجد من لا يرتدي الكمامة، ومن يضعها أسفل ذقنه وبطريقة تفقدها مبرر وجودها، وفي محلات الخضار والسوبر ماركت لا أحد يسال عن غياب الكمامة، وعدم الالتزام بالتباعد.

وفي بعض وسائل النقل العامة «باصات الكوستر»، تسمع عن ممارسات، تسرع في نقل الفيروس ونشره، بدلا من ان تحد منه، أقلها تبادل الكمامات.

الحكومة، كما يبدو، تكتفي حتى اللحظة بما تعتقد أنه وعي المواطن، ومسؤولية أصحاب المحلات التجارية ووسائط النقل وغيره، وهي بذلك ترتكب خطأ كبيرا، فلو أنها حاولت رصد ما يجري في الشارع من مخالفات لتأكدت أن بعضها يرتقي إلى مستوى الجرائم، ولتأكدت أننا بحاجة إلى حزم في مجال تطبيق أوامر الدفاع المعنية بالعقوبات أكثر من الحاجة إلى تغليظها.

كل ذلك أسهم، كما يبدو، في انتشار الفيروس بمثل تلك الصورة المرعبة، والتوقعات بأن يزداد الوضع سوءا فيما إذا لم تتغير آلية الرقابة لمثل تلك المخالفات، وجعل الكثير من الملتزمين بالتعليمات، يشعرون بالإحباط الشديد جراء تلك الممارسات ويخلصون الى إحساس بأن التزامهم يحمي الآخرين، لكنهم يدفعون ثمن استهتار غير الملتزمين، وتهاون الحكومة في فرض الالتزام على كل المستهترين.

من هنا، فالمطلوب من الحكومة أن تباشر عملية الرقابة بنفسها، ومن خلال أجهزتها، وأن تنحّي مسألة الثقة جانبا فيما يخص هذا الملف.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com