كتاب

المرجعية دستورية.. والتغيير ابتدأ بـ(الضغط من أعلى)

شكل صدور الإرادة الملكية بحل مجلس النواب الثامن عشر ما يشبه الصدمة للكثير، حيث يبدو من ذلك أن الانطباع الذي كان سائداً هو فكرة استمرار مجلس النواب ليسلم المجلس الذي يليه، أو إمكانية التمديد لمجلس النواب الثامن عشر تحت مبرر جائحة الكورونا، وفي كلا التصورين السابقين كان الهدف هو الإبقاء على الحكومة التي يترأسها الدكتور عمر الرزاز.

وعلى الجانب الآخر كانت الإرادة الملكية القاضية بتشكيل مجلس أعيان جديد صادمة لكثيرين من حيث شكل المجلس وتركيبته، فقد غادر 44 عيناً مواقعهم، من أصل 65، وخلا المجلس من عدد كبيرمن رؤساء الوزراء السابقين، بمن فيهم الرئيس الحالي الواجبة استقالته قبل يوم الأحد القادم! يبدو أن حالة الصدمة وما تبعها من محاولات فهم ظلت قاصرة ومحصورة بآليات تحاول أن تستوعب ما حدث بوصفه غير متوقع، وبالتالي دخلت معظم المحاولات للتهليل للموضوع بصفته إنجازاً غير مسبوق أو أن ما حدث هو قيام صاحب القرار بقلب الطاولة على اللاعبين السياسيين ا?جالسين حولها. كل من حاول فهم ما حدث في الإطارين السابقين أو بما يشبهما هو شخص غير واثق بمؤسسة الحكم وغير مصدق لدور جلالة الملك كحامٍ للدستور، وغير قارئ لنهجه وتصوره الذي خطه في أكثر من خطاب وأظهر في أوراقه النقاشية، ويعتقدون أن ثمة عوامل يمكن أن تغير النهج الملكي، وتنحرف البوصلة بعيداً عن تمازج الإرادة الملكية مع الإرادة الشعبية.

منذ قدوم جلالة الملك عبدالله الثاني للعرش وهو يدرك حجم التحديات التي تواجه الأردن كدولة ونظام حكم، ويدرك أهمية تطوير أدوات الحكم واحترام الدستور والاحتكام للإرادة الشعبية، وربما كانت تجربة تأجيل الانتخابات النيابية في باكورة حكم جلالة الملك عبدالله الثاني لمدة عامين، وما نتج عنها من قوانين مؤقتة وتفرد للحكومة في قيادة المشهد السياسي والاقتصادي في الدولة، ساعد صاحب القرار أن يصمم على احترام دور مجلس الأمة بشقيه، وأن يخلق التوازن الضروري بين السلطات. ولفهم الحالة علينا أن نعيد قراءة الورقة النقاشية الثالثة ا?تي قدم جلالة الملك فيها تصوراً لتطوير مؤسسة العرش ودور الملكية في الأردني وربط جلالة الملك تطور دور الملكية بنضوج النظام النيابي، فتطور دور الملكية يتناسب ويتناسق مع تطور دور المؤسسة البرلمانية، عبرتطوير آليات إفراز النواب بحيث يكونون قادرين على تمثيل الأردنيين.

التغيير والسير للأمام يبدو وكأنه عنوان المرحلة، ويأتي عدم اليقين واستعمال لفظة (كأن) لأن المشهد لم يكتمل بعد، فما حدث من تغيير واضح في تركيبة مجلس الأعيان ينتظر أن يقابله تغيير واضح مثله في تركيبة مجلس النواب القادم، وحينها ستبدو اللوحة قد اكتملت والتغيير يصلح أن يكون عنوان المرحلة القادمة. حين شعرت بحجم التغيير في مجلس الأعيان الذي شمل ما يزيد على ثلثي المجلس بقليل، أدركت أن جلالة الملك أراد ضخ دماء مختلفة في الجسد الأردني، وأنه في ذات الوقت أرسل رسالة للأردنيين أن ينزلوا إلى صناديق الاقتراع لإفراز نواب ج?د يمثلونهم ويكونون على قدر تحمل المسؤولية، وتذكرت حينها ما قاله يوما جلالته حين التقى مجموعة من الشباب في حديثه عن التغيير حين قال (اضغطوا أنتم من تحت وأنا أضغط من فوق ليحصل التغيير)، حيث يبدو أن جلالة الملك (ضغط من فوق) وقام بدوره، فهل ننتظر (الضغط من الأسفل) من قبل الشباب الأردني عبر التصويت الهادف لإحداث التغيير... ننتظر ونأمل أن تكتمل الصورة.