وأبت الأخبار إلا أن تصدمنا برحيل أمير الإنسانية سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت الشقيقة، وبعد فترة معاناة مرضية، تفاوتت طقوسها ومراحلها، وعليه، فليس لنا الا الدعاء له بالرحمة، فهو خسارة وطنية لأهله في الكويت، ولنا في الأردن، ولأمته العربية، حيث شكل القاسم المشترك بردع الصدى للأمة بظروفها التاريخية الحرجة، وللعالم حيث شكل نبراس السلام العالمي، وأيقونة احتوت على أبجديات الانسانية ومثالياتها التي توجب التطبيق، ورحيله يعني نهاية حقبة كان يمثل فيها بصيص الأمل الذي يوحي بقدرته على ترميم الش?خ الذي صعق الأمة بغير موعد، وزلزل كيانها حيث نحن بأمس الحاجة لحكمته وحنكته وسماحته، فما عرفناه عنه منذ زمن بعيد، أنه الحكيم المتواضع، الذي جعل من دولة الكويت الشقيقة، دولة عصرية ناهضة مؤثرة، تتمتع بديمقراطية وحرية، كمرجع للعديد من الدول التي تحاول أن تمتثل، ويزعجها وجود معارضة وطنية، فكان سموه، صمام الأمان لراحة شعبه ورخائه، بحرصه على توزيع الخيرات من باطنها، ليتمتع فيها من يقطن أرضها وفوق ترابها، وهو الدبلوماسي صاحب الخبرة والحكمة والأثر على قيادة دفة السياسة الكويتية منذ أربعة عقود لأنه «عميد الدبلوماسية?العربية الكويتية السياسية».
الموت حق؛ حقيقة بدون اعتراض، وهو المصير المحتوم للإنسان، وغير مناسب أبدا في كل وقت، ولكن رحيل العظماء المؤثرين، يضاعف الخسارة، ويجعل منها سيفا ينفث غباره على الجميع، وندرك بحجم الأخوة والعلاقة المميزة التي تربط العائلة المالكة في الأردن بالعائلة الحاكمة في الكويت الشقيق، لايمان متبادل بانعكاس ذلك على رخاء الشعبين، حيث برهنت المواقف عبر القرون ضمن معطيات قناعة تترسخ بمبادئ الوحدة والمصير، فهناك علاقة فريدة ومثالية، بين صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الراحل، ترجمتها المواقف على واقع الأرض، ولن?نسمح للذاكرة أن تحتضن ملف الأخوة من باب الأرشفة، بل سنجعل هذا الملف حيّا بالحاضر، يحتوي على المزيد من النتائج بالتعاون والعمل والحرص على ديمومة العلاقة الأخوية بين الشعبين، وربما تغريدة جلالته عبر تويتر بالعزاء قد لخصت بالصميم شعورنا وحزننا لفقيد الأمة الذي وقف بجانب الأردن، وكان داعما محقا، لم يتركنا لأنه على قناعة بأهمية الدور الأردني الحساس لخير الأمة والإقليم، حيث قال بتغريدته عبر تويتر: «فقدنا اليوم أخاً كبيراً وزعيماً حكيماً مُحبّاً للأردن سمو الشيخ صباح الأحمد رحمه الله كان قائداً استثنائياً وأميراً?للإنسانية والأخلاق، كرّس حياته لخدمة وطنه وأمته ولم يتوانَ في مساعيه الخيّرة عن بذل كلّ جهدٍ لوحدة الصف العربي، نعزي أنفسنا والشعب الكويتي الشقيق بهذا المُصاب الجلل». نبكيك أيها الأمير الراحل بدماء عيوننا، وقطرات الدمع من قلوبنا، لأنك الأقرب من الأشقاء، الذين بادلونا الحب بالحب والخير بالخير، بأمل متجدد، يمنحنا الدفء، يغذي ويروي شجرة الأمل للغد والمستقبل، ويقيني أن الأمير القادم سيسير على النهج للمحافظة على المكتسبات وإضافة المزيد.
ربما من الإنصاف أن نذكر الدور الكويتي بقيادة سمو الأمير الراحل بمحاولة حل الخلافات العربية في البيت العربي، وقناعته أننا الأولى بحل مشاكلنا بما ينعكس خيرا على واقعنا ضمن المضلة التي توفر الغطاء لنا، فموقف الكويت المشرف وأميرها الراحل من القضية الفلسطينية والرعاية الهاشمية للمقدسات الدينية في القدس الشريف، موقف واضح ومبدئي وثابت ومعلن، وقناعته بأنها قضية العرب الأولى، يصعب العبث بأركانه، ثم محاولتة الأحدث لردع الشق المتجدد نتيجة هرولة التطبيع بغير موعد أو مقدمات، مثال متجدد على الحكمة في سنِّه المتقدمة ورغم?معاناته، وقد رحل عن الدنيا وهو يحاول كبح التوترات الإقليمية للتخفيف من فوضى الإضطرابات التي تهدد المستقبل، وأملي أن لايخيب أمله، بل على الجميع واجب الإلتزام بوصاياه للحكمة، فله الرحمة وللشعب الكويتي الشقيق والأمة العربية العزاء.