يعتبر امتحان «التوجيهي» رمزاً وطنياً، ارتبط كيانه بتأسيس الدولة الأردنية، وقد حافظ على أركانه منذ اعتماده، لأنه يمثل نهاية مرحلة حياتية لكل منا، وهو البوابة لمحرك بوصلة المستقبل بما يفسح لنا من فرص التعلم والاختصاص، وهو المحطة الدراسية الأخيرة للسنوات المدرسية، التي تتوج بهذا الامتحان ونتائجه، باعتباره الامتحان الوحيد الذي يعقد سنويا على مستوى الدولة الأردنية، لجميع الطلبة بموعد محدد مسبق، يوفر الحد الأمثل من العدالة، وربما أنه الطريقة الأنسب للتقييم بحضوره ودستوره، حيث أن الاتهامات التي توجه له، والرصاصات التي تحاول نحره، هي اجتهادات فردية، لا ترقى لدرجة التأثير لإحراف المسار، وبما أنه ميزان ومرجع، فعلينا احترام قدسيته والمحافظة على هيبته، فجميعنا عاش توتر الامتحان لأهميته المستقبلية، ووجود ثغرات يحاول البعض نخرها بجسد الامتحان.، ليس مبررا لتحجيم الامتحان والعبث بدستوره، فخاصيته هي الأنسب لمجتمعنا، بالرغم من التحفظات التي يسوقها البعض، خصوصا أن البدائل التي طرحت، مؤسفة وركيكة، وتنذر بإنهيار منظومة التعليم بشقيه؛ المدرسي والجامعي.
هناك عثرات بالمسار، وتعديلات بفعل الاجتهاد لترجمة رؤية الأشخاص، والتي تتبدل بموسمية المسؤولية، فبعد أن كان الامتحان يتمتع باستقرار واستقلال، تبرع البعض بالتعديل من إضافة مواد وحذف أخرى، وربما مستجدات التقدم التكنولوجي والرقمي قد فرضت جزءا من هذا الاجتهاد، ثم وصل العبث لأبجديات المواد بقيمتها من المعدل، ودخل حساب الكسور على الأرقام الصحيحة المعتمدة، وهي أساس الاستقرار، وفي اجتهادات ظرفية تحول الامتحان من عقده لمرة واحدة بنهاية العام الدراسي، ليصبح مجزأ على فصلين، وتبدل الأداء لعدة مرات دون حصوله على ثبات بالأسس، ونحن ندرك أن لكلا الطريقتين حسناتها وسلبياتها، ثم دخل مفهوم الغش في الامتحان دون ذنب، ليجد البعض فرصته بالانقضاض عليه لتغييره، علما أن الخلل الاجرائي نتيجة تقصير إشرافي وتنظيمي، فضبط مسار الامتحان لا يحتاج لمعجزة أو عبقرية لولادة عسيرة للحلول، كما أن ممارسة الترهيب والتهديد هي شكل آخر من أشكال الاعتداء المبرمج أو العفوي على مكانة الامتحان، لأن الأصل هو عدالة التقديم بنفس الظروف في جميع قاعات المملكة المنتشرة، لاعتماد النتائج كفيصل لتحديد المسار الجامعي أو التخصصي.
تعرض الامتحان في السنتين الأخيرتين لبراكين نسف في الأساسات البنائية وقواعد الثبات، فشهدنا العام الماضي حصول طلبة على معدلات فلكية لم نعهدها ولا تعكس مستواهم الدراسي منذ البدايات، بالتوازن مع تبريرات ومقارنات غير مقنعة مطلقا، ولم نكد نصحو من غيبوبة النتائج والكم الهائل من الانتقادات والتحليلات، حتى صدمنا بزلزال أقوى بنتائج هذا العام، بورصة المعدلات المرتفعة وتبريرات ركيكة تخاطب الطلبة بمستوى السنوات الابتدائية، وكان آخرها قرارات مجلس التعليم العالي الأخيرة والقاتلة والتي تسببت بإدخال التوجيهي لغرفة الانعاش برصاصة نافذة، دون اليقين بقدرتنا العلاج للشفاء، فامتحان التوجيهي رمز وطني لن نسمح للعبث بأركانه، وهو موضوع مقالتنا القادمة وللحديث بقية.