كتاب

دين جديد اسمه المصالح

العالم المظلم في حياة ذوات الطبقة الثرية في العالم وحولنا من وطن، ليس وادعا فقد أصابه الجشع بمرض يتطلب عزل المواطنين حسب تصنيفهم المادي، وهو عالم مليء بالأسرار والصفقات التي لا يعرف أحد كيف تدار ومن يستفيد منها، وفي ظل تفاقم الفقر واتساع رقعته بين المواطنين، نجد أن هناك من لا يزال يعيش حياة الترف وكأنه يسكن في كوكب مستقل، في المقابل بتنا نرى ونعرف أن هناك خلايا لعائلات مالية باتت تتحكم في نسيج الأعصاب المصلحية، ويماثلها فئة تغلغلت في جسم النظام الإداري، ويعيش على هامشهم مجموعة تستأثر ببيئة الأعمال وتوزع المكاسب بينها دون التفات إلى الأثر الاجتماعي أو مساعدة المحتاجين.

هذا النمط الجشع بدأ على قواعد العقلية الغربية، فقد بدأت فكرة استعمار أميركا من قبل الانجليز في القرن السادس عشر بعدما قام أتباع أبرشية «سكروبي» المتزمتون السفر إلى هولندا منذ مطلع القرن السادس عشر، وهم يحملون في عقولهم أفكاراً متعصبة ومتشائمة ورافضة لمشاركة أي عضو غيرهم إذا لم يكن إيمانه كاملاً،رافضين لأصحاب الآراء الحرة، ومن هناك استقلوا سفينة «فاي فلور» حيث وصلوا الأرض الأميركية وكتبوا ميثاق العهد بينهم، على اسم السفينة، وتركوا سفينتهم على اليابسة وبدأوا باستعمار أرض الهنود الحمر، وتقتيلهم والسطو على أرضهم.

وبعد أقل من قرن قامت مستوطنة فرجينيا كأرض للمستوطنة الأرستقراطية المفضلة للإنكليز الأغنياء الذين جاءوها باحثين عن أرض جديدة ليتابعوا حياة النبلاء الهاربين من المجتمع الانكليزي الذي بدأ يهدد مصالحهم بالقوانين الإصلاحية، حيث أصبحت فرجينيا آنذاك مملوكة لأقل من مئة عائلة ثرية حيث تقاسموا الأرض والثروات، وكانوا يتناقلون ثرواتهم عبر الزواج الداخلي من بعضهم ضمن طبقة ارستقراطية اجتماعية مغلقة، وأصبحت ارستقراطية فرجينيا قائمة على المال أكثر من تعظيمها للعنصر البشري.

عندنا في العالم العربي ونحن لسنا استثناءً، باتت هذه النزعة تتعاظم في ظل تفاقم الوضع الاقتصادي، فلم يعد هناك أثر للكذبة الكبيرة التي تسمى التعاون الأخوي بين الدول، ولا في مجتمعنا الذي انكشفت عورته بدليل التخلي عن المسؤولية الاجتماعية من قبل الجهاز الرسمي ومن طبقة أثرياء المصالح التي كانت توزع على المؤثرين سياسياً واقتصادياً، ويقابل المصلين في محاريب المساجد والكنائس، طبقة المصالح الذين لا يفوتون فرصة للكسب المشروع وغير المشروع، بل أنهم يظنون بما عليهم من ضرائب أو صدقات وقليل ما نسمع عن زكاة الأموال.

في الدول التي تشبهنا كانت طبقة المصالح تدار بسرية معقدة، وهي التي تنخر في أركان الدولة، ولهذا بتنا نسمع ونعرف عن مناقلات الأموال خارج البلاد، وهروب رؤوس الأموال وأصحابها، بحثاً عن ملاذات ليست أمنة بالطبع، ليس اليوم فقط بل من سنوات بعيدة، وهذه الطبقة التي أصبحت تشكل ديدناً جديداً اسمه المصالح لا تقيم وزنا للإنتماء، والخطر أن ردة الفعل الشعبية باتت عنيفة، لأن ذوات الطبقة المتخمة يتفاخرون بثرواتهم وينسون أن الشعوب تعالج آزماتها بطريقتها.