قاعدة تعلمتها من أساتذتي، وطبقتها في عملي الإعلامي الذي استمر على مدى ما يزيد عن أربعة عقود. تقوم تلك القاعدة على مبدأ يتمثل بأن ترديد الشائعة، ونقل المعلومة الكاذبة وغير الدقيقة من شأنه أن يكرسها لدى فئة البسطاء، ويمكن ضعاف النفوس والمغرضين، والموجهين، وأصحاب الاجندات من استخدامها، والترويج لها، وإشغال العامة بها.
أما الشق المقابل فيتمثل بأن إهمال مثل تلك الأمور، وتجاهلها من شأنه أن يفقدها القدرة على الحياة، وتنطبق عليها المقولة المشهورة «تنشف وتموت».
والشائعات حول وباء الكورونا، وصولا إلى وصفه بأنه «مؤامرة»، أكبر مؤشر على هذا الموضوع كمثال حي.
فمنذ اكتشاف فايروس كورونا، وانتشاره، والبعض يحاول وصفه بأنه «مؤامرة كونية». ويتفنن الكثير من أصحاب تلك القناعة، أو الراغبين بحملها في ابتكار التفاصيل لتلك «المؤامرة»، وبما يتراوح ما بين» القرار الدولي» بتخفيض عدد سكان العالم، و«المشروع الاستعماري» الذي يهدف إلى زرع شرائح في أجساد البشر للسيطرة عليهم من خلالها.
وعلى الرغم من أن كافة التفاصيل اللاحقة تدحض تلك المزاعم وتنفي المؤامرة، إلا أن أصحاب تلك الأفكار، والذين يتطوعون لحملها والترويج لها يتمسكون بما حمّلوا به، ويعملون على تطوير العناصر التي بنيت عليها تلك الفرضيات الزائفة.
آخر ما جادت به قريحة هؤلاء، شريط فيديو تم توزيعه مؤخراً، ووصلني عبر بريدي الألكتروني.
في الشريط، تتحدث فتاة بقدر من الطلاقة عن مؤامرة» الكورونا»، وعن آلية نشرها من خلال الإنترنت، وتحديدا من خلال الجيل الخامس «5 g».
في الشريط، الكثير من العناصر التي تحاول تعزيز القناعة بتلك الفرضية، حيث خلطت الفتاة ما بين «الجن»، كعوامل مساعدة لنشر الوباء، وبين الكائنات الفضائية. ودخلت في عالم السحر بكل تفاصيله، وبين العلم الحديث» الانترنت»، ضمن» خلطة عجيبة» انتهت بسبل الوقاية من الوباء من خلال ترديد بعض الأدعية.
لن أسهب في وصف ما تضمنه الشريط من إسفاف في المضمون، واستخفاف بالعقول، ومحاولات لتسطيح أكبر مشكلة هزت العالم وما زالت، وأوقعت ثلاثة أرباع المليون وفاة، وعشرات الملايين من الإصابات. ولا في مدى الثقة بالنفس، التي تتحدث بها الفتاة، أو في المعلومة التي تروج لها، لكنني مضطر للتوقف عند من زرعوا تلك الخلطة العجيبة في عقلها، ومن أقنعوها بأنها «تفعل خيراً»، أو أنها تؤدي رسالة من خلال تسجيل هذا الفيديو وإرساله على نطاق واسع.
ومضطر للتوقف عند الأثر السلبي الذي سيتركه الشريط عند الفئات البسيطة التي يمكن أن تقتنع بمضمونه، وتتصرف ضمن التوصيات والنصائح التي قدمتها للوقاية من الوباء. وكم ستسهم تلك النصائح في زيادة الإصابات والوفيات، وفي رفع نسبة التجهيل لدى تلك الفئات.
أما الأخطر من ذلك، فهو الكم الكبير من الأشرطة المماثلة التي يجري ضخها على نطاق واسع. والتي ما زالت تجد من يتلقاها بترحيب، ويروجها باهتمام.