في أيام خلت، شكلت الزراعة العنصر الإنتاجي الرئيس، وقد يكون الوحيد في عناصر الاقتصاد الوطني. وشكلت العامل الأول في عوامل مكافحة البطالة، حيث تعمل الأسرة الأردنية بكافة أفرادها في الحقل، وعلى البيدر، وتنتج ما تحتاجه من مؤونة ومتطلبات تدفئة من الأرض.
في تلك الأيام، كان اهتمام المزارع كبيراً بأنواع البذور، حيث يحتفظ بسلالات من القمح، بتسميات بعضها شعبي، والبعض الآخر حسي لكنها تستند إلى تجارب شخصية، وميزات لها علاقة بالجودة.
فعلى سبيل المثال كان بعض المزارعين يحرصون على زراعة أنواع من القمح تسمى «الزّرعة الصفراء»، نسبة إلى لون بذورها التي تشبه لون الذهب عندما تنعكس أشعة الشمس على أكداسه عند الانتهاء من درسه، وتذريته، وعندما يكون جاهزاً للتعبئة في «الشوالات». وتتميز تلك البذور بغزارة الإنتاج وزيادة حجم الحبة، وارتفاع نسبة «النشا» الحيل ـ فيها. إضافة إلى مقاومتها للأمراض والآفات. وهناك زرعة أخرى، سنابلها طويلة، وذات رموش سوداء، تتميز بإنتاجها الوفير تأتي في المرتبة الثانية بعد «الصفراء». وهناك بذرة قمح تسمى «ذيل الجمل»، وتكون سنابلها جرداء بدون رموش، وهي نوعية غير مفضلة لدى المزارع كونها واردة من الخارج كمعونات في سنوات القحط. ومثل ذلك كل أنواع المزروعات من قمح وشعير وعدس «بنوعيه الأبيض والاحمر» وحمص بحسب حجم الحبة، إضافة إلى الخضروات والفواكه. وكان المزارع يحرص على اقتناء بذور أنواع محددة من البطيخ والشمام، ومن مختلف أنواع الخضار، ويطعم أشجاره من أنواع محددة من الفواكه. هذه المعلومات قفزت إلى الذهن بفعل الاتفاقية التي وقعت في الديوان الملكي قبل أيام، بين الجامعة الهاشمية والمركز الوطني للبحوث الزراعية، والتي تنص على تأسيس بنك للبذور.
وأعادت تاريخا طويلا يذكر تفاصيله من عاش فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت.
حيث كان اهتمام المزارع بنوعية بذوره ركناً أساسياً من أركان العملية الإنتاجية الرئيسية. وكان الملف الزراعي يتصدر الاهتمامات الحكومية والشعبية. وتعود اليوم إلى الواجهة استنادا إلى التوجيهات الملكية السامية للحكومة بالتركيز على ملف الزراعة. وبالتالي فنحن أمام حالة تستحق التقدير، كونها تتعلق بمشروع إبداعي، يجمع ما بين تراثنا العريق، وبين علاج لسلسلة من الإشكالات التي نعاني من امتداداتها وانعكاساتها على مستوى الحياة الاقتصادية والاجتماعية وإلى حد كبير السياسية.
فملف الزراعة، هو الملف الذي يُجمع المعنيون على أنه الأكثر جدوى في معالجة إشكالاتنا الكبرى، وعلى رأسها المشكلة الاقتصادية، وما يتبعها من بطالة وفقر. والجميل هنا، هو كيفية التعاطي مع تلك الفكرة، حيث تبنت مؤسستان وطنيتان مشهود لهما بالتميز والإبداع وهما الجامعة الهاشمية، والمركز الوطني للبحوث الزراعية. وعلى رأس هاتين المؤسستين قيادات مشهود لها بعمق التجربة، والقدرة على التعاطي مع متطلبات التطوير.
ويمكن هنا استذكار النقلة النوعية التي شهدها مركز البحوث الزراعية على مدى الأعوام القليلة الفائتة، ومثيلتها التي شهدتها الجامعة الهاشمية على مدى أشهر قليلة مضت.
فالتحية والتقدير لهاتين المؤسستين الرائدتين، ولقيادتيهما. وقبل ذلك الولاء لمن وجه الحكومة للاهتمام بالزراعة جلالة الملك.